بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة.. تمهيد أوليّ

رضا راشد| باحث في علوم البلاغة – جامعة الأزهر
إن من نعم الله عز وجل التى اختص بها الإنسان من دون الخلائق، نعمةَ البيان واللغة التى بها تواصلت أجيال لم يكتب تتعاصر بل تفصل بينها آلاف السنين .

وهذا البيان يعتمد في أكثر ما يعتمد على الكلمة يلقيها أحدهم منطوقة أو مكتوبة فيتلقاها الآخر مسموعة أو مقروءة .وما بين النطق (إلقاء) والاستماع (تلقيا) ،والكتابة (إلقاء) والقراءة (تلقيا) تكمن مهارات اللغة (أي لغة) الأربع وهي :(الكتابة، والقراءة، والنطق، والاستماع)..ولأن حديثنا عن الإلقاء – من حيث كونهما مصدري الكلمة إلقاء دون التلقي – فسيكون الوقوف معهما .

وفي كل خير :
فلئن كانت الكلمة المنطوقة تحمل من الدلالات والمشاعر فيوضا لا تستطيع الكلمة المكتوبة تحمله، حيث لا تعتمد فيما تؤديه على الأوضاع اللغوية والمعاني السياقية فقط (والتي بها تشترك مع الكلمة المكتوبة) بل تزيد عليها بما تحمله نبرة الصوت (ارتفاعا وانخفاضا ،استطالة وقصرا ،همسا وجهرا، وصلا ووقفا ، تقريرا أو استفهاما) من فيوض الدلائل والمعانى والظلال والإيحاءات والإيماءات والرموز الخفية ..لئن كانت الكلمة المنطوقة تمتاز بذلك ،فإن الكلمة المكتوبة المفتقرة إلى ذلك -من حيث كانت ساكنة بين أخواتها على الصفحات- لتمتاز هي الأخرى بما تفتقر إليه الكلمة المنطوقة .

وأهم ما تمتاز به: أنها أثبت تحقيقا، ثم إنها أقدر على البقاء من الكلمة المنطوقة.

أما كونها أقدر على البقاء: فإنه ليسهل علينا أن ندعي بأن الكلمة المكتوبة أطول عمرا من أختها ؛الكلمة المنطوقة.

ولا أدلَّ على ذلك من أنها الوحيدة الباقية من إرث علمائنا الكرام رضي الله عنهم مدونةً في كتبهم، بينما اندثرت الكلمة المنطوقة – ماثلة في دروسهم- معهم في قبورهم (في عصر ما قبل التصوير التلفزيوني المتحرك)..فهل بقي من البخاري ومسلم والطبري وابن تيمية …وغيرهم من مئات الألوف من العلماء إلا كتبهم دون دروسهم؟.

وأما كونها أثبت تحقيقا: فلأنها تتسم بطواعيتها للحذف والإثبات وللتسويد قبل التبييض ،بحيث يحق لنا أن نزعم أنها لا تصدر من الكاتب إلا عن روية وتمهل وتريث ونظر في لوازمها وتوابعها وما ينتج عنها وما يترتب عليها من معان ثانوية وإيحاءات خفية ..فالكاتب لا يثبت كلامه مكتوبا للناس إلقاء حتى يعيد النظر فيه كرة بعد كرة بعد كرة: فيثبت ويحذف، ويذكر ويمحو، ويقدم ويؤخر ..وهذا كله ما يعوز الكلمة المنطوقة التى ربما صدرت عن تسرع؛ استجابة لداع من دواعي النفس (غيظ أو حقد أو كبر أو إعجاب أو هوى …إلخ ) وما أكثرها !!.وفي مثل هذه المقامات تفتقر الكلمات إلى التثبت افتقار الصحراء للماء!! حيث يشجع المرءَ على التفوه بهذه الكلمة غير المحققة أمورٌ كثيرة :
(١)منها أنه يغلب عليه الأمن من تبعاتها حيث إن السامعيها دوما أقل ممن يقرأ الكلمة المكتوبة على مدى الدهر .
(٢) ومنها سهولة التفلت من تبعاتها بادعاء أنها لم تصدر منه أصلا (إذا لم تثبت عليه بالتصوير في عصر ما قبل الانترنت) أو أنه لم يقصد -حين يؤاخذ بكلامه-ما فهم من كلامه، وأن كلامه حُرِّفَ عن معناه وفُهِمَ على غير مقصده، أوأنها بترت من سياقها، أو أنها تعرضت لـ(المنتجة) من قبل المخرج بالقص واللصق، والزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، والتقديم والتأخير إلى آخر ما يلوذ به من يحاسب على كلام خطأ صدر عنه!!

فهي – إذن – قسمة عدل بين الكلمة المنطوقة والكلمة المكتوبة ..تمتاز الكلمة المكتوبة بإتاحة الفرصة لصاحبها قبل إثباتها بالتغيير والتبديل، والمحو والإثبات ..لكنها بعد أن تصدر عنه موضوعا لكتاب او مقالا لجريدة او…إلخ لا يستطيع التفلت من تبعاتها ..في حين لا تواتي الكلمة المنطوقة صاحبها أي استدراك أو تراجع أو حذف أو محو أو تقديم أو تأخير ،فهي كالسهم إذا انطلق من القوس لا يستطيع الرامي رده ولو اكتشف فجأة أنه سدده إلى نحر صديق حبيب أو ولي حميم =وعلى الجانب الآخر..يستطيع أن يلوذ – إذا ما ووجه وجوبه – التفلت منها :صدورا منه أصلا كذبا وزورا أو أنه لم يعْنِ ما فهم منها من المعنى .

ومحصول القول :
أن كلا من الكلمة المنطوقة والمكتوبة تكملان بعضهما البعض وفيما تمتاز به كل منهما عن أختها ما يحبذ استعمال واحدة دون الأخرى.. ففيما أزعم: تشتد الحاجة للكلمة المكتوبة في ميدان العلم بينما تمس الحاجة للكلمة المكتوبة المنطوقة في ميدان الوعظ والدعوة وما سواهما من المقامات التى تحتاج أكثر إلى التأثير في عواطف السامعين ومشاعرهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى