الرئيسية / فكر / مقاربة تفكيكية لكتاب ” العالم إلى أين؟ ” لـ” نعوم تسومشكي “

مقاربة تفكيكية لكتاب ” العالم إلى أين؟ ” لـ” نعوم تسومشكي “

إنجاز: د. الغزيوي بوعلي – مختبر اللغة والفكر

ينطلق هذا الكتاب من مجموعة من الأطروحات المتنوعة باعتبارها ظاهرة تاريخية وفكرية، لذا يدعونا لهذا الكتاب إلى قراءة حول إنجاز مشروع تشومسكي بهدف إظهار فساد المنزع الثقافي الأمريكي والعالمي، وكذا النزعات الاختبارية التي تستند إلى مواقف توفيقية دون مبالاة بمقتضيات الشروط المعولمة، والتي تتطلب منا في الحالة الأمريكية كثيرا من الحسم وجرأة التفكيك، والتحليل.

لا يكتفي تشومسكي بالنقد في هذا المجال، بل إنه يدعو إلى القيام بثورة ديمقراطية تراعي فيها شروط الفعل الإنساني الحر، وكذا السياسات التي تبلورت ما بعد الحرب الباردة كما يربط في هذا الكتاب بين آليات الخطاب المشخص، وبين النقد الجذري الذي لا يراوغ ولا يقصي، باعتباره منظما يستوعب فكر الحداثة، وما بعد الحداثة، ففي الجزء يطرح انهيار المجتمع الأمريكي نظرا للتحولات التي غيرت وجه العالم الصناعي، والاقتصادي والعالمي، وظهور دول صناعية تضاهي صناعة أمريكا كالهند، والصين، واليابان، وأندونيسيا وكوريا الشمالية، فهذه النتيجة هي ضمان للمجتمع الرأسمالي الذي يعتبر فيه القول كقوة لعمل، وليس كدينامية التواصل كما تقول مدرسة شيكاغو، لذا عرض منهجية دقيقة ونظرة ابستمولوجية مفصلة حول الرعب الذي رافق المجتمع الأمريكي من طرف التنظيم – القاعدة فعملت أمريكا بفتح المرحلة الجديدة للحرب عن الإرهاب، بشكل علمي، وهذه النزعة الدقيقة المرتبطة بالمنهج البراغماتي، جعل الفعل الأمريكي حاضر كرهان ومطلب عملي وعلمي لذا أصبح لزاما على الدول المحور – الناتو – الاستعداد لمواجهة هذه الجائحة التي يمكن تسميتها بالإرهاب ولذا يمكن أن نطرح السؤال التالي لماذا الإرهاب؟ وكيف ولد في التربة البشرية؟ ومن زرعه؟ وهل الإنلامقولوجيا هي أرض هذا الإرهاب؟ هذه الأسئلة تفتح العديد من الإنجازات التي ظهرت في أمريكا، كاليمن المتطرف، واليسار المتطرف الذي لهما نفسه أستيفيا–والإنجليون الذين يحاولون محاربة المسلمين في بوسطن وفوريدا، ونيويورك … وأصبح الاتحاد الأوروبي بدوره يعيش هذا الهاجس خاصة فرنسا، وألمانيا، وبدأ هذا الاتحاد يعرف توترات سواء على المستوى النقدي، الرأسمالي أو الاقتصادي، وظهور كمونات جديدة تؤسسها، روسيا، والصين وفرنسا، فبرزت لنا المبادئ والأصول الجديدة التي تحارب المهاجر العربي والغير العربي، لأنهم ليسوا من جنس سامي.

وهذه الرؤية الإقصائية لا تندرج في سياق تاريخي محدد، بل تنمو على هامشه، وتساهم في صياغة مجراها التاريخي في اتصال وانفصال عن هذا التاريخ الرسمي، لأن المجرى العام في أمريكا وفرنسا ينهلان من مكاسب دروس الماضي، إلا أن يولد نصوصا إلحادية تتجاوز الأديان كما عند داعش ص: 43 لأنها النظرة الاجتماعية التي تعيد إنتاج عنوان يضبط كل الكتابات السلفية، وتشجع التعرف على الثوابت على شكل خصائص أو علاقات الإنسان بالمطلق، وهذه الدعوة الأرتودوكسية هي التي تحدد الهوية، وتقرب الفعل الأجناسي العربي لكي يكون مغايرا عن الأجناس الأخرى، وأتساءل من خلق هذا التنظيم؟ ولماذا خلق؟ هل خلق لمحاربة روسيا في أفغانستان؟ أم أن السحر انقلب على الساحر الأمريكي إنها لعبة مفتوحة وفق قيود بنيوية، ولكن من الممكن رؤية بعض العوالم الخارجية تساند هذا التنظيم، وتسمح له أن يختار قانونه كشعار لمحارب الدول الشمولية، وهذه النتيجة هي عملية مباشرة بنت أقدامها في العراق، وأرادت أن تؤسس الخلافة، كما الآن في ليبيا، وهذه الواقعية المهترئة كما يرى شومسكي، تجتهد لأخذ بعين الاعتبار فضاء “الماضي” وبالتالي إدخال اعتبارات الفرص في عوالم ممكنة، وفي جماعات مهمشة، ميالة إلى الهيمنة الدينية والأخلاقية الانعكاسية السلبية، لكن هذا الدين المرتبط بالسياسة (63 – 73) يطرح قانون النخبة لإعادة إنتاج الخلافة، والإمارة والإمامة، وكبيانات إحيائية جديدة، وهذا التمازج بين الثوابت والمتغيرات، تجعل الممكن الأمريكي والديمقراطيات في خبر كان نظرا للاتحاد المنتشر في العالم، لما يبثه الإعلام من صور، ودمار، وقتل من طرف المتأسلمين، والأقليات الأخرى والموجودة جسديا وفكريا في هذا المناخ، وانطلاقا مما ذكرت أن النظرة الأمريكية إلى العالم يمكن أن تنجب آمال الأغنياء والأقوياء كما نراه اليوم في المجالس النيابية والكونكريس، فهي عادة ما تولى اهتمامها للدين الكنيسي، أو السياسي في عالم يعج بالتناقضات، والانكسارات في الهوية، والحرية، والعدد، فتبقى هذه الانتليجنسيا هي القادرة على إصدار القوانين، والأحكام، أما القطيع فعليه الانصياع والخضوع، وهذا ما نراه في روسيا، وكوريا الشمالية، والصين رغم الانتهاء إلى النظام الشيوعي الذي يعطي للجماعة رمزيتها وقدسيتها، ولكن يبقى الموقع الأسري داخل النظام هو الجانب الأكبر، والأكثر في التحكم.

إنه الميثاق الذي يصدر عنها وليس عن الشعب، لأن الحقوق والمبادئ هي إرادة فوقية تتعد إلى القاعدة وأن الخروج عن هذا الميثاق يعتبر خروجا عن إرادة الحاكم – أو الله – الإمام –الأمير … وأن على الشعب الخنوع أن يحمي الميثاق، لأنه يحمي إرادته، وإرادة الحاكم، هكذا يرى تشومسكي أن تلك العبارات والرؤى الصانعة للحضارة لابد أن تبقى في هيئة النظام الرأسمالي ص: 99، وهذا يذكرني بفوكو ياما صاحب كتاب “نهاية التاريخ”، وماركوز “الإنسان ذو البعد الواحد، “أو حكمة الغرب”، فالنظام الرأسمالي هو نظام فرداني يمدنا بالحرية والمساواة، والعدل حسب قانونهم ولكن هل هناك حرية بأمريكا أو في الدول الغربية رغم حضارتها؟ الجواب يبقى خاضعا للتأويل مادام هناك إنسان فهناك سلط وقراءات، وتأويلات كما يقول ميشيل فوكو في كتابه “نظام الخطاب” ص: 24 – 25. فالكشف عن هذا الشكل التحكمي يحمي الفرد، وينمي ذاتيته النفعية كما يرى جورج زيمل، ويعطي له حق الملكية، والاستحواذ، والتسلط والاستغلال، والاستيلاب، أي يضعه كقوة مشتركة تحت الإرادة العليا للإرادة الحاكمة، ويلتقي بهيئتها كجراء من الكل، وهذه الرؤية الاستقرائية تجعل المركز الحضاري يعتبر أكبر سلطة للتواصل على مستوى الفكري، والسياسي ويرى تشومسكي أن الرأسمالية قادرة أن تبقى على هيئة الرأسمال رغم اختلاف بعض الكتابات الاستشرافية، والاستغرابية، كإدوارد سعيد والجابري، وطرابيشي، وسامي النشار.

أما على المستوى الغربي، نجد ريمون أرون وإدكار موران وبيير بورديو، وغيرهم، فتشومسكييدافع عن وجود منظومة قيم عالمية مشتركة تتفق عليها الحضارات كمرجعية ونظام معياري يحددان أنماط العلاقات على أسس تعاونية لمحاربة داعش لكن هذه المحارب لم تأتي إلا نتيجة الصدمة 2001، وسقوط حزب البعث للرئيس صدام حسين، وفتح أبواب الصراعات بين اليمين المحافظ، واليسار، والسنة والشيعة، والخوارج … فهذه الصراعات هي التي ولدت “دعوة أبو بكر البغدادي” وجماعته، فعملت هذه الدعوة بالاهتمام بالفقراء، واليتامى، وأصحاب الحاجة، وأصحاب السذاجة، الفكرية، فأراد هذا الداعي أن يعيد أمجاد الاهة الإسلامية/الخلافة سواء عبر العصور، أو على مستوى الراهن، فهذه التناقضات تهيمن فوق المحاسبة، وفوق أوهام الاختلاف، والحكم ما وراء الحدود كلها تتناغم لتشكل رؤية غير ثابتة، حيث تفكك الأحلام وتقطع مع حقبة زمنية معينة، فشومسكي يطرح موضوعا آخر ذا أهمية، وهو تيار الإسلام السياسي، الذي يسعى أنصاره إلى بناء بيداغوجيا مثالية، تكون كأرغانون كوني متمرد على الديمقراطية، وهذا ما نراه في تركيا بزعامة “أردوغان” حيث يتلقى الدعامة من الطبقة الهامشية من أجل إنجاح خططه العمياء لإثبات عالمية واقعية عثمانية للعالم، والفرد، والقيم، فلم يقف هذا الديكتاتور “النمرود” في تركيا بل أمد ذراعيه العسكرية في سوريا، وليبيا، ويقول شومسكي في هذا الصدد تصبح العلاقات بين نظام أردوكانوالغرب أكثر توترا، وهناك غضب شديد ضد الغرب من داعمي أردوغان، لأن المواقف الغربية اتجاه الانقلاب تنتقد باعتدال، لكن ليس على النحو الذي يكفي النظام، أما باتجاه الاستبداد المتزايد والقمع الشديد، فالانقلاب غير قوى، لكن النظام يراه كثيرا جدا في الحقيقة هناك المتقاد كبير أن الولايات المتحدة هي من بدأت الانقلاب” ص: 49 من الكتاب.

وانطلاقا من هذا الطرح أن هذه الوصفة الانقلابية ما هي إلا عتبة التي من خلالها يحاول أردوغان أن يثبت غصون – الإسلام السياسي – مدعيا أن أمريكا هي التي تريد المكائد للعالم سواء في أفغانستان ضد طالبان، أو ضد جبهة الرقي والتقدم في هايتي، كلها طواحين هوائية، وأحلام لا تتساوق مع أطروحة كلينتون ص: 49، وشومسكي يشرح في الفصل الثاني عدة صور عما يمكن أن يكون عليه المجتمع البديل، فقلة القراءات النقدية هي التي جعلت المجتمعات الإنسانية أن تكون أنصار الرؤى التروتسكية، والترامبية(ترامب)، فهذه الصفة اليمينية قادت أمريكا لتكون عدوة الشعوب، والدول وأن تحاكم الإنسانية من خلال موقف الرجل الأبيض، لأنها القاعدة الهوية خارج السيطرة كما يقول شومسكي ص: 135، لأن الرؤية اليمينية لا تتساوق مع المنظمات الحقوقي، والتيارات الديمقراطية ومع المهمشين السود، مما خلق دعوات إلى التمرد، والعصيان المدني كما تراه اليوم لأن هذه الانتخابات لسنة 2016 كانت هي كارثة في تاريخ أمريكا، لأنها اعتمدت الاقتصاد كعمود فقري دون مراعاة الجانب الإنساني، أو الجانب الأخلاقي، أما على المستوى الديبلوماسي فالرئيس ترامب قد خرج من عدة معاهدات أخرها من المنظمة العالمية للصحة، ومعاهدة التسلح، وغيرها من المعاهدات كالاحتباس الحراري ص: 169، لهذا فمستقبل الديمقراطية كما يقول فريد هاليداي يعتمد على البعد الدولي (الكونية الجذارية ص: 145)، لقد قاد هذا التطور الرأسمالي الإمبريالي في السنوات الأخيرة إلى طرح مسألة – الحرية – العدل – الإنسان، باعتبارها مسلمات تقليدية تفترض أن تسبق وجود ديمقراطيات عند الشعوب القديمة بشكل حصري، لكن هذه المسلمة أثبتت عدم صلاحيتها، وذلك لعدة أسباب أهمها أن تاريخ التطور السياسي والفكري ارتبط بشكل وثيق بطبيعة العلاقات الخارجية بين الدول، لذا تعمل الولايات المتحدة في تحويل وتجديد الرؤساء حسب شروط الداخلية للديمقراطية، وهذا الانقلاب هو مغاير لما قاله لوك وروسو، وميل، وماركس ومورون، وغيرهم، لأن القناع الذي ترتديه أمريكا، هو قناع يواجه الديمقراطيات كشكل سياسي سواء في بعدها التشخيصي، أو البنائيالوظيفي، لأن أفضل نظام سياسي مرغوب فيه، هو نظام ليبرالي كما يقول هاليداي، وليس هناك بالفعل أية إيديولوجيات منافسة لها الآن، وبهذا الشأن فإنه يمكن القول إن أطروحة فوكو ياما التي أسيء إليها كثيرا، صحيحة بشكل عام التي تقول إن الديمقراطية الليبرالية هي نهاية الفكر السياسي العالمي، وأفضل صيغه”، ص: 136.

فالكاتب في هذا الكتاب يطرح عدة قضايا منها مشكلات اقتصادية، باعتبارها مركز العولمة، لأنها القاعدة والمقياس للدول المعاصرة ولنظام القيم، فالدولة مثلا “تهدف إلى تقييم المجتمع إلى بيانات ثقافية ولغوية، من أجل الخروج من الفقر بالعمل المجد، وأمنت مستقبلا أفضل لأطفالك، كان من الممكن إلى بعض العاملين أن يجدوا عملا بأجر محترم، أن يشتروا منزلا وسيارة، وأن يدفعوا أجور تعليم أطفالهم … كل هذا انهار، ويجب أن لا يكون لدينا الكثير من الأوهام حول من كان حقيقيا لا تزال قابلية الحركة الاجتماعية في الولايات المتحدة أقل من المجتمعات الغنية الأخرى حتى الآن. 

تدعي أمريكا أنها ديمقراطية، لكن من الواضح أنها أصبحت محكومة بنوع من الأثرياء، رغم أنها لا تزال مجتمعا حرا ومنفتحا بالمعايير المقارنة، كل هذا ينطوي على حقل فكري مبني على التحريف وسوء العرض والأمور الغير العقلانية، ومن مهمات الالتزام الديمقراطي هو تحديد الأولويات والأهداف، لكن كل هذا يدفعنا نحو قدر أكبر من سوء الفهم، حيث يتعلق الأمر بأزمة الصحة، والتعليم فهما مرتبطان بالسوق كما يقول تشومسكيص: 203 إلى 215) باعتبارها مظهرا من مظاهر العولمة التي حظيت بالتصفيق والتلفيق، فهو التيار الذي ولد لدى الأمريكي الهوس، والبارانويا ونظرية المؤامرة الخادعة، قد بت فيه الحياة المشؤومة دون التخلص من هذه الحياة التي تهيمن عليه الأصنام العديدة، والمسيطرة عليها كما يقول فرانسيس بيكون، لذا فالكتاب يطرح كما قلت ترهات الحلم الأمريكي، الذي لازال يتردد صداه عبر كل الوسائل المرئية والغير المرئية، لكن السؤال الذي لم يطرحه صاحب الكتاب، هل الرجل الأبيض هو السيد، والآخر هو العبد؟ وهل نعيش عصر الأبارطاي الآن؟ فالإنصات إلى سياق الشارع سندرك حجم التناقض والازدراء الخرافي المنتشر حول القضايا  الدولية، ويقول هاليداي “إن الاعتقاد أن الآخرين هم الذين ينطلقون في تفكيرهم من نظرية المؤامرة، مثل خشية العرب من الأتراك، وغصب الصينيين من قصف سفارتهم في بلغراد وقلق المسلمين من المؤامرات الغربية، ص: 41 الكونية الجذارية لا العولمة المترددة.

إذن ما تعني هذه الرؤى؟ وكيف تصبح مجتمعية؟، فليس مهما الحديث عن هذا الكتاب لأنه تناول العالم كله، شرقا وغربا، وتنازل أمريكا، كظاهرة، وكمشعول عليها، فهي الناقلة للمعرفة، والمشكلة للخطاب العلمي، حيث لا وجود للوقائع والأبحاث إلا وتوجد فيها أمريكا، فهي الأرضية التي خلقت الثنائيات ما بعد الحرب الثانية، وما بعد الحرب الباردة وانهيار جدار برلين، وتمزيق الاتحاد السوفياتي في عهد كوربتشوف وإسقاط الأنظمة العربية (تونس – مصر – العراق – السودان – اليمن …) وهي الخالفة للتيارات المتؤسلمة (القاعدة، داعش– النصرة …)، والمبدعة للعالم، والمناهضة لشنغاي، وللصين وروسيا، وإيران، وكوريا الشمالية وللمكسيك، فهي الداعمة لكل الحركات الأخرى (السودان – سوريا – اليمن) إنها الذات التي تحضر داخل كل الحقول الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية لكن حينما تكون هذه الذات بداهة، وحين يكون العالم متمردا حينئذ يكون العالم، والذات متصارعين لا يقدمان تصورا واحد، وهذا ما نراه اليوم بينها وبين إيران) رغم أنها هي التي ساندت أية الله الغنميني في إسقاط النظام فهي مستعدة دائما لتقديم إجابات جاهزة عنها، وعنا، هي إجابات أصبحت ضمن ماهية بنية حقل تصادمي بين الشرق والغرب، بين المضامين النظرية الغربية، والمضامين الشرقية، وعبر هذه الثنائيات الميتافيزيقيا، تحدد لنا جذارة هذا الكتاب وليس غيره، لأنه يقدم لنا فهما للعالم، وينقلنا من معرفة، إلى نظام إلى اقتصاد، وتعليم، والدستور كلها عبارة عن تواصل داخل المؤسسات المجتمعية، والسياسية بوصفها نظاما من أجل فهم ما هو العالم، فشومسكي استند إلى معرفة يقينية نظرا لخبرته، وموضوعيته سواء على مستوى الاجتماعي أو الفكري أو اللساني، فهو المخالف والغير المطابق لتتماثل، حيث يكشف لنا المسكوت عنه كما يقول فرويد أو المحجب كما عند هيدجر، باعتباره مفهوما أبجديا وأيقونيا يفكك الأنظمة الفيبيرية السلطوية، والأنظمة الاجتماعية (الدوكايمية) والتطورية (داروين) والبنية الذهنية (موران، لاكان)، والأسطورية الشخصية/الفحولية(كارل يانج)، وبعض الديناميات الفردية والجماعية على مستوى الميكروبر كماتي (مدرسة شيكاغو)، هكذا طرح قضية أخرى في الجزء الثالث وهي الأناركية (الإسبانية) والشيوعية والثورات ص: 233 كثورةفهذه الكلمات هي عبارة عن حركات حيوية ترتبط بالفكر الثوري ضد الرأسمالية الصناعية، فولدت حركات كرست نفسها للعمل الجماعي ضد الاستعمار، والاستغلال، والاستيلاب وأصبحت فترة الليبرالية الجديدة منذ الثمانينيات فترة إضعاف وتهمي لمعظم سكان العالم، لكن الخلد القديم الذي تحدث عنه كارل ماركس غير بعيد عن السطح أبدا، وهو يظهر في أماكن غير متوقعة وانتشار المشاريع والتعاونيات التي يمتلكها العمال في الولايات المتحدة التي هي ليست أناركية ولا شيوعية حرفيا يجهل بذور تحول جذري بعيد المدى وهي ليست وحيدة” ص: 234.

فهذا الشعور حسب الكاتب هو استحضار الماركسية (ماركس إنجليز، هوشي مين، ماو –كاسترو اوروز لوكسمبورغ، تروتسكوي، وغيفارا …) ثم بعض الثورات، كثورة كولومبيا، وإيرلندا والثورة الإسبانية، (الأناركية) وثورة 1968 بفرنسا، وثورة السود، في أمريكا كلها شخصيات، وحركات هدفها الأسمى هو التغلب على السلطة الطبقية، وسلطة أصحاب الامتيازات (الملاكين – الكنيسة – الحكام – الرؤساء …) ص: 235 لكن يواجه هذا الخطاب المؤسس لدولة العمال، بالمواجهة من الملاكين، والأغنياء، كما قلت كما هو الشأن في كوبا (فديل كاسترو) وأمريكا، والفيتنام وأمريكا (هوشي مين والرئيس الأمريكي)، فرغم القتل الذي تعرض له الجنود الأمريكيين، فإنها بقيت تفتح لنظامها المرتبط بالحقوق، والحريات (نيكسون)، وإلغاء الطبقية، وظهور توجهات حزبية ديمقراطية كما يقول جون ديوي ص: 237 الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتكون بديلة تتلائم مع السياق الأمريكي، ص: 233 و237.

ومهما يكن من أمر، فشومسكي يعتبر من بين كتاب متعددي التخصصات، الشيء الذي يسمح له بمساءلة كل القضايا السائدة في أرجاء العالم، وسيظل المصدر التعبيري لكل المعارف. حيث يطرح كينونات متعددة ومتنوعة ومنظومات عالمية تتفق عليها القوانين والدساتير والأديان كمرجعية وكنظام مؤول، يحدد به أنماط العلاقات الإنسانية على أسس صراعية، من دون السقوط في الطوباوية المثالية، مع التأكيد الدائم على السمة الهيرمينوطيقا الكونية التي ينادي بها الحاكم الأمريكي)، فشومسكي يرى أن جوهر هذه القراءة ومكوناتها ليست نتاج الفكر المختلف والمعاصر، بل إنه الفكر الممارس الذي ساهم فيه شومسكي سواء راهنا أو عبر قرون التاريخ، حيث جعل هذا الكتاب عنه درس سياسي واقتصادي وفكري، وقانوني، واستراتيجي وسجلات سياسية وعلموية، وكذا هشاشات الديمقراطيات، عارضا لنا أمريكا كقطب ديمقراطي كوني، وفاتحا أيضا علاقة الديمقراطية، بالحركات التحررية وببعض المفاهيم الوظيفية المعولمة من وراء الحدود، كلها تدعم بعضها البعض من أجل إثبات عالمية واقعية ينشدها الرأسمالي، فأهمية الكتاب في فصوله الثلاث يرفض القراءة البسيطة والدعوة الثورية المعرفية الساذجة يسارية كانت أم يمينية، أم تراثية، طارحا لنا بديلا يرفض الإقرار بالواقع السائد، وعدم التسليم أيضا بالمغلق، إنه الخيار الأصعب في التأويل والتفسير، لأنه يفكك كل الامبراطوريات العازلة، وكل المركزيات أملا بالقطع النهائي مع الحقب الماضوية، وبالحقب العذراء، وفي الأخير أمل أن تكون هذه القراءة هي الباب المفتوح على القراءات الأخرى، وأن يكون قلمي حلما ثوريا يثور المتناهي.

إنجاز: د. الغزيوي بوعلي – مختبر اللغة والفكر

عن عالم الثقافة

شاهد أيضاً

تأصيل للرُّسوم المسيئة لسيدي الرسول(عليه وعلى آله السلام)

المتوكل طه | فلسطين عن شمّاعة الحرّيات وازدواجية المعايير ها نحن نعود إلى الكاريكاتير مرة …

تعليق واحد

  1. بصريح الكلام هذه ليست مقاربة ولا حتى مباعدة تفكيكية لكتاب تشومسكي بحسب مفهوم ديريدا
    هذا عبث تشويشي وتشويهي وتشنيعي شائن من طرف من يدعي أنه قادم من مختبر اللغة والفكر
    هذا عدا الكم الهائل من فظيع الأخطاء المفهومية واللغوية وحتى الإملائية الذي يكتظ به هكذا “إنجاز”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *