قراءة في ديوان ( رجع زفرات الأنين ) للشاعر محمد خالد النبالي

ثناء حاج صالح | ألمانيا

ضامَّا صوته الشعري والإبداعي إلى جوقة أصوات شعراء المقاومة، يقدم لنا الشاعر الفلسطيني المبدع محمد خالد النبالي تجربته الإنسانية الإبداعية الخاصة متداخلة وممتزجة مع سياق التجربة العامة للإنسان الفلسطيني الذي يرفض التنازل عن أي شبر من أرض فلسطين التاريخية، وعن أي حق من حقوق الشعب الذي ينتمي بوجدانه وكبريائه ووفائه إلى هذه الأرض وأهمها حق العودة. لذلك فإن المواضيع الشخصية البحتة هي الأقل ظهوراً في ديوانه هذا -كما لاحظنا- بعد أن اختار لها الشاعر أن تكون ممتزجة بهموم الوطن ومعاناته في آلامه وآماله . لذا فسيقرأ القارئ هنا جراحاً تشبه صاحبها.

فَسِتُّ عُقودٍ بعُمْريَ مَرَّتْ
وَمَا زِلْتُ أكْتُبُ جُرْحًا شَبِيهِي

تتناثر أسماء المدن والعواصم العربية في قصائده التي جمعها هذا الديوان إلى درجة لافتة  للنظر. ولكل اسم مدينة طقسه المعنوي والنفسي الخاص، والذي يعكس علاقة الشاعر الشخصية مع هذه المدينة ،كما يعكس في دلالته التاريخية والمعاصرة سيرورة الأحداث التي مرت بها المدينة أو مازالت تمر بها المدينة كما يشهدها وعي الشاعر ووجدانه.

   لذلك فإن مخاطبة المدن العربية أو ذكرها وبهذه الكثافة يترافق مع متغيرات واضحة في دوالّ الخطاب وأساليب التوجه فيه من قبل الشاعر ؛ فالأوضاع السياسية المتحركة والمهتزة والمرتبطة بهذه المدن وعندما تكون قضية شخصية كما هي عند الشاعر النبالي، ستترك آثارها وسماتها التعبيرية في علاقة الشاعر مع المكان والزمان، ونلاحظها واضحة من خلال متابعة مساره في تجربته مع الكتابة الإبداعية.

 وكأننا نستدل من ملاحظة تحوُّل وتبدل أساليب الخطاب في القصائد المتوالية زمنياً ،والتي يواكب فيها الشاعر ما تتعرض له تلك المدن في الواقع من أحداث مضطربة، على حاجته النفسية لممارسة الإلحاح على تلك المدن، كي تحضر وتثبت وجودها وبقائها فعلا، في واقع آيل إلى التدهور والسقوط، وكل مؤشراته تقود الشاعر إلى الشعور بالحاجة لتأكيد حقيقة استمرار وجود تلك المدن.

ويشعر القارئ بمثل  هذا الإلحاح مثلاً من خلال استعراض الكثير من عناوين القصائد التي ضمها هذا الديوان مثل (يَافَا حُلْمُنَا المَهْدُوْرْ) (دُمُوعٌ في حَرَمِ الخَلِيلْ) (إلى الخليل) (وَثِيْقَتِي لِبَغْدَادْ)  (مَلْحَمَةُ عَكَّا) (حِيفَا عَرُوسُ البَحْر) وغيرها. ومن قصيدته (حِيفَا عَرُوسُ البَحْر) مثلا، نتذوق كقراء أسلوب الشاعر الحميم في خطاب المدينة، والذي يرقى إلى مستوى لغة الغزل برونقها وتوهجها العاطفي المصبوغ برؤية جمالية تليق بمدينة حيفا، حينما ينسج صورة عروسة البحر التي يبقى البحر في دعة وهدوء مادام شعرها مصفوفا فوقه، فنرى آلية التعبير المجازي المبدع في تخيلنا لأمواج البحر، التي انتظمت في دعة لتشكل اصطفاف شَعر عروسة البحر/ حيفا المتماوج على عرض سطح البحر.

عَرُوسَةَ البَحْرِ إنَّ البَحْرَ في دِعَةٍ
مَا دَامَ شَعْرُكِ فَوْقَ البَحْرِ مَصْفُوفَا

أنْتِ البَهَاءُ لِمَنْ مَرُّوا وَمَنْ عَبَرُوا
إلَّا الّذينَ أتَوا يَبْغونَ تَجْفيْفا

إنْ يَبْلُغِ البَحْرُ كُلَّ الأرْضِ تَجْرِيفَا
تَظَلُّ شَمْسُكِ فَوْقَ البَحْرِ يَا حِيفَا

ولا شك أن لأسماء المدن الفلسطينية وعلى رأسها مدينة القدس صدارة القصائد وصدارة المواضيع، لذا تأتي أوجاعها في رأس قائمة المواجع، ويستطيع القارئ أن يدرك سر العلاقة الحميمة بين الشاعر وشعره من خلال علاقته بالقدس التي فتحت له طريق الشعر كي يسير نحوها  ولتكون هي ملهمته الأولى، وهي عروس قصائده يقول في قصيدته ( رائحة القدس) :

وَفِي السَّيْرِ نَحْوَكَ رَافَقْتُ خِضْرَا
يُعَلِّمُني كَيْفَ أكْتُبُ شِعْرَا

أتيتُكَ ساعَةَ فجْرٍ نديٍّ
وَكَانَ ذِهابي لِأيْنِكَ مَسْرى

أتيتُكَ وَالشَّوْقُ يَسْبِقُ خَطْوِي
وَبُحْتُ بِحُبِّكَ لِلدَّرْبِ جَهْرَا

فالشاعر في سياق هذه القصيدة هنا اقتباس من نبي الله موسى وبديل له ، وهو يتبع (الخضر) كما تبعه موسى ، كي يعلمه كتابة الشعر ، لكن الخضر في الواقع لم يكن يعلم موسى كتابة الشعر، وإنما كان يعلمه كيفية فتح آفاق للتأويل عندما يقرأ أحداث الحياة الغريبة والمؤلمة، التي لا تطيقها نفسه، والتي تحتاج إلى تفسير، ليتقصى الحكمة الإلهية من كل حدث مرفوض منها.  

وكأن بالشاعر  يستعير من رمزية مغزى تعليم الخضر له  تلك الوصية التي يحتاج أن يوصي بها نفسهقبل غيره،  وعبر كتابة الشعر، بأن يبقى منتفائلاً وواثقاً من رحمة الله وبره في تحقيق وعده. فالخضر حاضر كي يفتح له آفاق التأويل لحوادث الأم في احتلال فلسطين. وفي حوادث الدمار والفوضى والخراب في العراق والشام ومصر واليمن ..وهكذا يصيغ الشاعر أسئلته التي ما تزال تنتظر الأجوبة من الخضر وهو يذكر ويكرر أسماء البلدان اوالمدن  العربية.

فهذا العِرَاقُ رؤًى قَدْ تَجَلّتْ
وفيهَا الشَّآمُ تُعَانِقُ مِصْرَا

وَلَكِنْ لِمَاذَا العِرَاقُ جَرِيحٌ
وَلا يَعْرِفُ الجُرْحُ بُرْءًا وَبِرَّا

لِمَاذَا العِرَاقُ على الحُزْنِ يَبْقَى
وَكَيْفَ يُطِيقُ على الحُزْنِ صَبْرَا

ذلك هو الحديث عن البلدان العربية والذي تعقبه دائما العودة بالشعر إلى القدس وأسرارها. ومن تلك الأسرار رائحة القدس تعبق في شعر الشاعر النبالي وتستولي على مشهد الحواس  كلها ، لأن هذه الرائحة ممتزجة بالقداسة والعراقة والأصالة والنبوات المتصلة بسماء الله، وهي ترافق الإنسان الذي تنشق عبقها في صحوه ونومه، وعلى وجه الخصوص الإنسان الذي اضطر لمفارقتها وهو غير راغب . فبقيت مكشوفة لروحه ووجدانه لا يحجبها عنه حجاب.

للقُدْسِ رَائِحَةٌ تَفُوْحُ بِنَوْمِنَا
وَبِصَحْوِنَا وَبِحُلْمِنَا المُنْسَابِ

للقُدْسِ رَائِحَةٌ تُحيْطُ بِضَوْعها
سُحُبٌ مُجَسَّمَةٌ بِدُونِ سَحَابِ

للقُدْسِ رَائِحَةٌ بِلَوْنِ سَمَائِهَا
فَسَمَاءُ قُدْسِ اللهِ دُونَ حِجَابِ

ولأن هذه الرائحة في عُرف مجاز الشعر ذات لون فإتها تختلط بحواس الشاعر فيشمها ما أن يصل إلى باب القدس العتيقة رائحة مسك.وغني عن الذكر أن لرائحة المسك التي هي رائحة دم الشهداء عند انبعاثهم يوم البعث تلك الدلالة الثقافية  التي تعيد ربط واقع الأحداث بالإيمان بالله ووعده .

يَمَّمْتُ للقُدْسِ العَتِيقِ مُناجِيًا
وَشَمَمْتُ رِيحَ المِسْكِ عِنْدَ البَابِ

غير أن الخيبة أيضا ذات حضور طاغٍ في شعر النبالي، الذي يعاتب ويلوم المتناحرين والمتشاجرين الذين امتشقوا خناجرهم ليطعن بعضهم في ظهر بعضهم الآخر متناسين القضية الفلسطينية نفسها في خضم خلافاتهم.

هذه الخيبة التي ينسجها العتاب مضطر فيها الشاعر للتلويح بالراية الفلسطينية التي ستسافر في السنين لتصل وتؤكد بقاء فلسطين.ولتكون صورة سفرها في خضم الزمن شعراً يخاطب الخلود.

وَماذا تُرِيْدُونَ بَعْدَ التَّشَاجُرْ
وَرَفْعِ الأيَادي وسَلِّ الخَنَاجِرْ

تُرِيدُونَ دَفْنَ القَضِيَّةَ فِيكُمْ
وَتمْتَشقونَ سيوفَ الحَناجِرْ

 

فَلَسْطِينُ رَغْمَ الخِيَانَةِ تَبْقَى
وَرَايَتُهَا في السِّنِينِ تُسَافِرْ

تمتد الخيبة وتتوسع لتتجاوز الفلسطينيين في خلافاتهم وتشمل كل العرب الذين كفروا بفلسطين واتبعوا سياسة التطبيع ، والشاعر يعي بإحساسه حقيقة التطبيع الكافرة وحقيقة تزايد الأصوات التي تدعو إليه كلما مر المزيد من الزمن على القضية الفلسطينية.

فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ كُفْرٌ مُعْلَنٌ
وَحَمَاقَةٌ فِي لَهْجَةِ التَّفْكِيرِ

فِي العَالَمِ العَرَبِيِّ ألْفُ حِكَايَةٍ
تَدْعُو إلى التَّهْوِيدِ وَالتَّنْصِيرِ

وعلى الرغم من تلك الخيبة  وذلك الخذلان يبقى الشاعر متفائلا بأن الله سيغير الأحوال ذات يوم وسوف يهيئ لقدسه أسباب عزتها الخالدة وتحريرها الموعود.

وَعَلِمْتُ أنَّ النَّصْرَ مِمَنْ رَابَطوا
لا مِنْ وُعُودِ مِنْ فَمِ الأعْرَابِ

فهو مطمئن بإيمانه على الرغم من عدم إيمانه بنخوة العربان الذين يتهافتون اليوم على التطبيع . إنما أمله يعتمد على جيل قادم من العرب يكون هو جيل العزة والكرامة.

أنْتَ الوَلِيُّ لِرَبِّ العَرْشِ مبتهلٌ
وفي عيونِكَ عيْنُ القُدْسِ تنتحبُ

وَاهْدَأ فَإنْ فَقَدَ العُرْبَانُ نَخْوَتَهُمْ
يَأتِي غَدًا جِيلُ عِزٍّ كُلُّهُمْ عَرَبُ

الإيمان العميق بالله والتفاؤل برحمته عند الشاعر سمتان  من ملامح شخصيته الشعرية الإبداعية، نراهما ونلمسهما ليس فقط في قصائده عن فلسطين، وإنما أيضا في مقطوعاته التي يحكي فيها عن مقابلته للموت في تجربته الإنسانية والشخصية الخاصة مع المرض .

كما في مقطوعة ( احتضار) التي يصف لنا فيها برهافة وجدانية مشهداً كئيباً مؤثراً في النفس؛ كيف اجتمع حوله الأهل والأصحاب والأحباب كبارا وصغارا وهو يحتضر ، فهو في ذلك المشهد عاجز غائب عن الوعي ظاهراً ،وكما يظنه الآخرون ، لكنه حاضر بروحه ووعيه الحاد لأدق التفاصيل فهو يشعر بالناس ويسمع كلامهم وأصواته ويرى كوب الماء الذي عجز عن شربه وهو ممدد في سريره يحتضر:

تَجَلَّى مِنَ الأُفْقِ مَشْهَدُ مَوْتِي
وَحَوْلِي الصِّغَارُ وَحَوْلِي العَجَائِزْ

وَكُوبٌ مِنَ المَاءِ لَمْ أرْتَشِفْهُ
وَقَوْلٌ شَفيْفٌ على الفَمِ عَاجِزْ

وَلَكِنْ تَحَدَّى القَصِيدُ  احْتِضَارِي
وَأصْبَحَ نُطْقِي على الجَمْعِ جَائِزْ

لِيَبْقَى بُعَيْدَ الرَّحِيلِ نَشِيدًا
سَيُتْلِى بِسَيرِي لِكُلِّ الجَنَائِزْ

يتردد اسم الموت كثيراً في قصائد النبالي، لكنه لا يبدو موتاً مجانياً أو عاديا، بل هو جزء من حلم الغد الذي لا يمكن أن تتحقق فيه لفلسطين حريتها وعزتها، دون أن تمر الحلم بالنعش وبالموت .

ونراه كيف يرسم للموت في قصيدة (رَسَائِلٌ إلى البَطَلِ عُمَرْ) فضاء من حرية الاختيار، عندما يصوِّر الانحياز إلى الموت لا إلى العيش الذليل، خيارا وحيدا للبطل الشهيد عمر كما هو خيار لكل الأبطال الأوفياء والشجعان.

أنْجَزْتَ وَحْدَكَ في الأعْدَاءِ حُلْمَ غَدٍ
لِأُمَّةٍ حوْصِرَتْ بِالسّورِ وَالنَّعْشِ

ثَقَبْتَ صَمْتًا كَطَرْقِ النَّجْمِ نسْمَعُهُ
حَتَّى نُقَاوِمَ جَيْشَ البَطْشِ بِالبَطْشِ

حَمَلْتَ مَوْتَكَ نَحَوَ الجَيْشِ مُخْتَرِقًا
كُلَّ الثُّقُوْبِ كَهَبِّ النَّارِ في القَشِّ

فَرُّوا أمَامَكَ وَانْحَازُوا لِمُتْعَتِهِمْ
يَا مَنْ بِمَوْتِكَ لَمْ تَنْحَزْ إلَى عَيْشِ

وأخيرا ، يمكننا القول: إن التعمق في قراءة قصائد الشاعر محمد خالد النبالي فرصة لمعاينة ومشاهدة الإنسان وهو يبحث عن إشارات انتمائه، كي يتبعها ويتمسك بها لتكون له منارات ترشده إلى أمانه النفسي، والذي سيستمر بالشعور بفقدانه ما لم يتنشق عبق رائحة الأرض التي انشقت لتخرجه حاملا في خلايا جسده ووجدانه ذرات ترابها. لذلك فإن (رجع زفرات الأنين) هو رد الفعل الإبداعي والإنساني اللاهث عند الشاعر لالتقاط إشارات الحياة من تلك الأرض، ثم التجاوب معها وإعادة إرسالها زفراتٍ وأنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى