الرئيسية / نقد / قراءة تحليلية لقصيدة المُطلَق لـ “ثناء حاج صالح”

قراءة تحليلية لقصيدة المُطلَق لـ “ثناء حاج صالح”

سي مختار حمري | المغرب

أولا : النص 

كُلُّ الذي ما بَينَنا مُطلَقْ

في مُطلَقٍ مُستَرسِلٍ أزرَقْ

..

مَنذورةٌ للمَوجِ ضِفَّـتُـهُ

ورِمالُها من صَخرِها تُسحَقْ

..

لا سابحاً يَجتازُ لُـجَّتَـَهُ

لا طائراً في جَوِّهِ حَلَّقْ

..

يا سائِلي: “هَلْ شَفَّني وَلَـهٌ ؟”

-لا يَنبَغي لِلفَصْلِ أن يَعشَقْ

..

فَصْلٌ أنا مِيقاتُهُ سَنَةٌ

مَرَّتْ على غُصْنِ الرؤى أَوْرَقْ

..

هو وَافِدٌ في التَوّ مُرتَحِلٌ

مُترجِّلٌ عن حقلِهِ المُرهَقْ

..

فَمَسِيرُهُ في المُبتدا قَلِقٌ

ومَصيرُهُ في المُنتَهى أَقَلَقْ

..

وأنا التي انتُدِبَتْ زُهورُ دَمِي

لمَجالسِ البِلَّوْر والزَّنبَقْ

..

مَنْدُوبَةٌ عن كلِّ قافِيةٍ

مُبعوثةٌ لمَناجمِ الرّونَق

..

مَشغولةٌ بالصَّحْوِ أجمَعُهُ

من بُؤْبُؤِ في دمعِهِ رَقَرَقْ

..

أنا مَوْجَةٌ لِلشَّطِّ مُرسَلةٌ

ما مَوجَةٌ في بَحرِها تَغرَقْ

..

لم أَعتَلِقْ دَبَقَ الهوى شَرَكاً

هل نَحلةٌ في شَهْدِها تَعلَقْ؟!

..

وَقتي الذي اسْتَغرَقتُهُ دَلَهاً

في رَوعَةِ المَلكوتِ مُستغْرَقْ

..

هل أُلزِمُ الغَيْماتِ مَوضِعَها

لأرُدَّها لِقَرارِها الأسبَقْ؟

..

عِطرٌ يَضيقُ برَوضِهِ أفُقاً

أأُصُبَّهُ بِزُجاجةٍ أَضيَقْ؟

..

لن أحرِمَ الرَّيْحانَ ضَوعَتَهُ

كُلّ الذي ما بَينَنا مُطلَقْ

..

ثانيا- القراءة: 

1- العنوان

من أول ملامسة بصرية للقصيدة تجرفنا موجة من الاندهاش فالعنوان يمثل لغزا لا يسهل حله أو الإنفكاك من سحره؛ من الناحية المنطقية نحن أمام جملة حملية خبرية تحتمل الصدق وعدمه الموضوع:”قصيدة”..المحمول: المطلق قصيدة: تعني شعراً ،لحناً يُعزف بقيثارة الحروف، أو أن الكون هو الآلة التي يعزف عليها الشاعر لإبداع قصائده .أو لوحة فنية تشكيلية رُسِمت بريشة الحروف.

-المطلق: لغويا هو التام الكامل المتحرر من كل قيد أو اسثتناء أو شرط أو حد، والمتجاوز للزمان والمكان، غير قابل للتعيين أو الحصر أو التجاوز، غير نسبي، وهو موجود في ذاته بذاته وواجب الوجود.

-المطلق : هو المبدأ المتفرد . كل ماهو غير نسبي يمكن أن يعتبر مطلقا مثلا: أركان الدين الاسلامي والسنة النبوية غير قابلة للتغيير إذا فهي مطلقة.

-المطلق عند فلاسفة وحدة الوجود: يرون أن هناك جوهرا واحدا مطلقا تتوحد فيه كل المخلوقات يمثل الذات الإلهية مثل سبينوزا.

– عند بعض علماء الرياضيات: اللانهائي المطلق يعتبر هو الله

– هيجل استخدم مصطلح (المطلق) او (الفكر الكلي) او (الروح المطلقة ) التي تتحقق من خلال : (الفن – الدين – المعرفة الفلسفية)

-الفلسفة الهندية: المطلق هو الظلام أو الفراغ الأبدي إنه المجهول بالنسبة للعقل البشري.

– المطلق لا يمكن تصوره: مفهوم المطلق مرتبط بالألوهية غالبا؛ فهو الكائن الذي لايعتمد علي أي كائن وغير نسبي ويتعارض مع أي فهم مكون عنه فيصبح مستحيل المنال كما يرى الفيلسوف الألماني كانت Kan.

2- قراءة تأويلية:

في الواقع مايهمنا هو معنى المطلق الوارد في النص الشعري قيد الدرس.

في مطلع القصيدة تواجهنا لفظة المطلق مجددا مضاعفة ونكرة :

كل الذي ما بيننا مطلق

في مطلق مسترسل أزرق

سؤال : كيف لمطلق أن يحتوي مطلق آخر ؟ وما هما هذان المطلقان؟

”نا’ في بيننا تعود على الإنسانية أي نحن(الإنسان) والمطلق في اعتقادي لا يمكن أن يكون بين البين أي محصورا..! وبالتالي قد يكون المقصود ،وعينا بما يجمعنا ما نتشاركه في”مطلق في مطلق” الذي ننتمي إليه، يحتوينا،يجمعنا،ويجمع بيننا لا يمكن لهذا المطلق أن يكون مجرد جوقة من الأضداد :  الخير/الشر..الحب/الكراهية..اللذة /الألم..البحر ..الزمن..اللغة ….فهذه كلها نسبية والمطلق يجب ألا يكون نسبيا ولا ضد له وغير محدد .

من خلال تفحص النص تظهر لنا كلمة مفتاحية غاية في الأهمية لفهم النص وهي كلمة ”ملكوت” أي عالم الغيب والتي يصحبها منطقيا عالم الشهادة أي بعبارة أخرى العالم المرئي الكون أي ”الدنيا”.

الملكوت جاءت في القرآن الكريم في عدة سور أذكر منها:

سورة الأنعام : ”ملكوت السماوات والأرض”(الأية 75)

سورة يس: ”فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون”(الأية83)

سورة الأنعام:” وكذالك نوري ابراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين”(الأية 88)

الملكوت: هو عالم الغيب، وعالم الأمر ،لا يدرك بالحس.

ويقال عن الدنيا (الكون) عالم الشهادة لأنه مرئي يمكن معاينته. وحسب المفسّرين: فعالم الشهادة يمكن مقارنته بنقطة في البحر أمام عظمة الملكوت (عالم الغيب). وبالتالي نقترح أن مابيننا هو اعتقادنا الراسخ بأننا نوجد أحياء في عالم الشهادة أي الدنيا وهي مطلق وسوف ننتقل بعد عمر محدد إلي عالم أوسع وهو عالم الغيب أي الأخرة حيث المقر الأخير. إذاً كل الذي بيننا هو الإيمان أن هذا المطلق الدنيوي الذي نعيش فيه إلى زوال وسنغادره إلى مطلق أعم واشمل وأن هذه الحقيقة يترتب عنها كل مابيننا أو كل مايجمعنا ولا نسبية في الطرح ولا تناقض. ومايعضد هذا الطرح هو ورود كلمة أخرى في النص ذات أهمية وهي (مسترسل أزرق .)

اللون الأزرق قد يرمز إلى لون السماء أو البحر.

الأزرق يرمزعند بعض المذاهب الصوفية إلى إيصال الأرواح إلى السماء

يقول الشاعر هولدرلين” الأزرق هو الأثير باعتباره روح العالم ريحا مقدسا ورمزا للعلاقة والشفافية”

من الأزرق انبثقت العديد من آلهة الديانات الأرضية: بودا .كريشنا.ازريس

يقول الشاعر محمود درويش ”قليل من المطلق الأزرق..يكفي..لتخفيف وطأة الزمن ..وتنظيف حمأة المكان”…”من الأزرق ابتدا البحر”…”إن التشابه للرمال وأنت للأزرق” وهناك من يسمي درويش بالشاعر الأزرق.

الأزرق لون لا نهائي لا محدود لون الخلود والحكمة الإلهية عند البعض

في الثقافة العربية الإسلامية يبدو أنه يستعمل في مواقف الرعب وعدم الارتياح لقوله تعالى ”يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذٍ زُرقا ”(سورة طه 103)

زُرقا جمع أزرق وهي تعني بغير ألوانهم وعيونهم من شدة الأهوال والأحداث وفي تفسير آخر عميا عيونهم لا نور فيها .. اذا جل مايرمز إليه اللون الأزرق تؤكد ما كنا قد توصلنا إليه

على هامش هذا المطلق أو ضفته يتواجد الإنسان موضوع القصيدة حيث يتعرض لكل اشكال الأهوال والأحداث على شكل موجات تؤدي إلى تآكله وسحقه كما تسحق الرمال بارتطامها بالصخور التي عنها تولدت عن طريق الحت . يلمِّح النص إلى المشقات والتيه الذي يعيشه الإنسان في الدنيا وقد يكون الأمر أفضل أو أسوء فلكل نفس بما عملت في الآخرة.

هذا المطلق من البديهي أن لا يجتاز أي سابح لجته ولن يحلق فيه أي طائر.

ملحوظة : هناك تواتر لضمير المتكلم ”أنا” فيما يلي من النص سأعتبره بمثابة (نحن الإنسان ) او الإنسانية

يتساءل الإنسان: هل حب الحياة يؤثر فيه الى درجة أنه ينسى أن عمره محدود أي: مجرد فصل؟ وأن من كان على هذه الحال لا ينبغي أن يعشق؟ عمر الإنسان يحسب بالسنوات وتعاقبها كفصول ينضج وعي الإنسان فيورق عنده غصن الرؤى لكن الإنسان في نهاية المطاف وافد وللتو سيرحل متخليا عن دنياه المرهقة.

 فمسير الإنسان في البدأ قلق وفي النهاية أي بعد التقدم في العمرأقلق. الإنسان في بدايته أي قبل أن يعي، كان بريئا طاهرا نقيا ليتحول الى مسؤول ناطق باسم كل الكائنات ومبعوثا الى حيث مناجم الكلام والرونق.

الإنسان يجب أن ينشغل بالوعي (الصحو) أي اليقظة وينتبه إلى أبسط الأمور؛ إلى دمعة بدأت تتشكل على جوانب البؤبؤ في العين ، تعبيرا عن الحزن.

الإنسان عبارة عن موجة؛ أي أن له رسالة في هذه الحياة يجب أن يؤديها وإلا فليتحمل العواقب. ويتم التشبيه بالموجة التي تصل إلى هدفها فلا يمكن تصور أنها ستغرق وبالتالي على الإنسان أن يتخد العبرة وأن لايغرق في بحر الحياة .

الإنسان الواعي قد يعشق ولا يجب اعتبار ذلك أنه علق في غراء الهوى كالطير في الشرك ولكن العشق المعني يشبه الشهد. أي أنه نقي وصافٍ. ولا يجب اعتباره غرَقا لأن النحلة لا تغرق في شهدها.

 قد يتعلق الأمر بحب روحي مترفع عن الغرائزية الحيوانية وهذا الحب أو العشق قد يرقى إلى مرتبة عليا تجعل الإنسان يقضي كل عمره ولها بالتامل في روعة الملكوت أي في روعة الخالق.

قد يشعر الإنسان بالضيق والحزن على مافات ويتمنى لو يعود الزمن إلى الوراء ليصحح، وليتطهر من عقدة الشعور بالدنب. لكن الغيوم لا يمكن أن تعود إلى قرارها الأول قبل تبخر المياه التي أنجبتها فالعطر الذي يضيق في روضه الواسع ماذا ينتظر إن صبه الإنسان في قارورات أضيق.

هوِّن عليك أيها الإنسان فرحمة الله واسعة ولا تنظر إلى الوراء فلن يزيدك ذلك إلا ضيقا. وفي الختام يجيء في النص أن رائحة الريحان ستبقى على الدوام في شدتها؛ أي أن باب الأمل أمام الإنسان يبقى مفتوحا، ليغير مصيره.

وتختم القصيدة بنفس الجملة التي بدأت بها وكأننا أمام دائرة. نقطة البدأ هي نقطة النهاية. شكل هندسي يوحي بأن الفكر يشتغل بالدوائر وهذا يذكرني كثيرا بالشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي، أي بالتصوّف.

3-التحليل والدراسة:

القصيدة تجعلنا نسبح في عالم فكري تأملي صوفي عميق فهي تعانق أبعادا كونية بعيدا عن الواقع المحسوس تنقلنا عبر عالم ميتافيزيقي ديني ـ فلسفي -وجودي بنفحة صوفية؛ فحتى مايصطلح على تسميته بالمحسوس في النص(الطائر-النحلة- الزنبق الريحان-الزهور…) تعتبر مجرد ألفاظ لا دبيب للحياة فيها؛ فهي استعملت مجردة كما بدا لي لصياغة أفكار عميقة عن الوجود الإنساني عن الزمن المتزامن، عن القلق الوجودي الذي قد نستشفه من بعض المقاطع :

فمسيره في المبتدا قلق

ومصيره في المتهي اقلق

هنا تعبير واضح عن القلق الوجودي الذي يتوخى الوعي بالمصير.

هنا كهندسة زمنية في النص من قبيل فصل – فصل ميقاته سنة- وافد في التو مرتحل- وقتي الذي استغرقته..

أما الفضاء فهو المطلق الذي يرخي بظلاله الوارفة على النص أوعلى الأقل على المتلقي الذي يبقى سجينا لواقعه ويغلب عليه اللون الأزرق كما سنوضح لا حقا .. وصولا إلى بعض المؤشرات التي يلمس منها النفحة الصوفية:

وقتي الذي استغرقه دلها

في روعة الملكوت مستغرق

كلمة ملكوت تدفع الإنسان للتفكير في العشق الإلهي أي: البحث عن نوع من الطهارة والنظافة من الذنوب للوصول إلى نوع من القدسية تتجلى في جمال النفس وبهائها في أفق روح جمالية شعرية نقية وصافية.

النص يحتوي على عدة أسئلة استفهامية ب”هل” و”أ” السؤال عن مضمون الجملة يكون جوابه بلا او نعم: هل نحلة…..؟ هل أُلزِم….؟ أأصبُّه…؟ هذه تعتبر أسئلة مغلقة تفرض قراءة موجهة…..

من خلال عملية إحصائية للكلمات الواردة في النص نجد الكلمات التي تشير للماء تتكرر في النص مثل :موج ،ضفة ، شط ،بحر، دمع .. هذا جعلني أفكر في أن القصيدة مميهة وكأننا أمام قصيدة جنينية تسبح في السائل السلوي وبما أن الماء أصل الخليقة لقوله تعالى : ” وجعلنا من الماء كل شيء حي افلا يؤمنون”( سورة الانبياء 30) قد نلمس أن النص يريد نقل فكر خصب، وتصور للكون أن يعبِّر عن ولادة وعي معين.

 الماء نعمة إلهية تتدفق كتدفق المعرفة لتغذية تصورات الإنسان القصيدة تتلون باللون الأزرق لون الماء والخرقة الصوفية مما يجعلها في نظري قصيدة المطلق الأزرق ونصنفها مع قصائد محمود درويش (الشاعر الأزرق)

ونجد في النص هذا البحث الحثيث عن نشر الوعي نذكر هنا مثلا :

مشغولة بالصحو…. يعني اليقظة والانتباه أي الوعي. كما أن تردد النفي والاستثناء في عدة جمل مثل:لا سابح…لا طائر…لم أعتلق …لن أحرم …تستدعي استحضار الوعي. فالقصيدة تتوخى الوصول الى الحدود القصوى للوعي عند الإنسان في أفق المطلق المعبَّر عنه.

الضمائر المستعملة في النص: استُعمِل ضمير المتكلم إما منفصلا أو متصلا 12 مرة واستُعمِلت ”نا” المتصلة مرتين الأنا والنحن هنا قد تعبر عن أن هناك انهماما بالغا بحثا عن عن حلول إبداعية واضحة تصبّ في تحسين الوعي ومصير الإنسانية….

4- خاتمة:

قصيدة تحمل ألغازا على درجة عالية من التركيب رغم أنها تظهر سلسة ومرنة'(قد نصنفها ضمن السهل الممتنع ) لا يمكن لقراءة واحدة أن تفك كل رموزها مهما كانت مركّزة ..قد نجد العديد من المفاتيح لقراءات أخرى لكن هناك في نظري شرط من اللازم احترامه هو القبول بها كقصيدة شعرية فيها نوع من البحث عن المكاشفة والإلهام الشعري الذي يترفَّع عن كل ما هو غريزي ولذلك نجد أن لغة القصيدة نقية مهذبة وكأننا أمام محراب ندعو الله…….

عن عالم الثقافة

شاهد أيضاً

رحالة في ذاكرة الأمكنة

د. أحمد المديني | أكاديمي وناقد لو لم يكن سيف الرحبي شاعراً وكاتباً متعدِّدَ المواهب، …

تعليق واحد

  1. سبر لأعماق غور القصيدة رهيب وسلس وماتع وبنفس الوقت مشوق يجعلنا نتلهف لما بعد السطر لنصل إلى سدرة المنتهى بهذا الوضوح والإبداع ففي رؤاك التصاقا المعنى نبحر في أمدائه بغبطة واعتزاز نشكرك ايها الناقد الفذ على هذا العطر المسكوب بجزالة واشكر شاعرتنا الأريبة الشفيفة على هذا الفيح من الولوج بمعبر اللذائذ الإبداعية الملتحمة المجاز والجمال محبتي وتقديري لكما اصدقائي الاعزاء ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *