الرئيسية / تربويات / مفتاح النجاح العماني.. مسيرة التعليم في محافظة مسندم

مفتاح النجاح العماني.. مسيرة التعليم في محافظة مسندم

 شيخة الفجرية | سلطنة عُمان

التعليم مفتاح انفتاح وتطور الأمم، وقد حفظ لنا التاريخ أسماءً خالدة، تشع بفيض العلم والثقافة في شتى المجالات العلمية والأدبية، فكان هناك الفراهيدي، وأبو محمد الأزدي صاحب كتاب الماء، ومثلهم الكثير ممن سبروا الأسفار وخبروا الأمصار بحثًا عن العلم؛ إلى أن تحصّلوا عليه؛ فغدت كتبهم التي تطوف مكتبات وعقول الناس في العالم، شاهدة على جهدهم ومصادر علمهم، وستبقى ما بقي الزمان. ولعُمان الذكر الحسن في أن يذكر الحسن بن عبد الله بن المـَرْزُبَانِ، أبو سعيد السِيرافِي _ وُلِدَ في سِيراف الإيرانية سنة 284هـ، _ إمام النحو والأدب، الذي قال عنه الذهبي: “كان وَافِرَ الجلالة، كثير التلامذة” أنه تتلمذ على يد علماء عُمان في المدارس الفقهية العُمانية، ثم ذهب إلى العراق كما فعل جلّ علماء عُمان وأدباءها.
تتابعت الأزمنة وانطوت الأيام، فافتتحت “أول مدرستين في عهد السلطان تركي بن سعيد (1871-1888) هما مدرسة مسجد الخور ومدرسة الزواوي تدرسا علوم القران وأصول الدين واللغة العربية”، ثم جاء “عهد السلطان فيصل بن تركي (1888-1913) وتم تأسيس مدرسة بيت الوكيل”، وفي ذات العهد  قام “محمد علي بوذينة بتدريس عدد من البنين والبنات في منزل بمسقط، والذي عرف فيما بعد بمدرسة بوذينة، يدرس فيها علوم القران الكريم واللغة العربية والتاريخ والجغرافية والحساب، وبلغ عدد طلبتها (120) طالباً وطالبه واستمر التدريس فيها حتى عام 1930″.
وفي عام 1891 ألقت الإرساليات التبشيرية البروتستانتية بثقلها التبشيري في مسقط، فكان لها دوراً في إدخال التعليم الى عُمان بإنشائها مدرسة الإرسالية، و ” في عام 1928تم افتتاح أول مدرسة حكومية في مسقط سميت بالمدرسة السلطانية، واستطاعت جذب بعض طلاب مدرسة الارسالية اليها”.
وحين دخلت البلاد في نفق العزلة خفت بريق العلم في العيون ولم يعد يبرق أمام القلوب غير بصيص الظلام، فانعدم التعليم فيما بقيت ثلاث مدارس ابتدائية تقاوم الظلام السائد، وهي المدرسة السلطانية الأولى التي اُنشأت منذ عام 1930 في عهد السلطان تيمور بن فيصل، والمدرسة السلطانية الثانية عام 1935، والمدرسة السعيدية عام 1940 وكان مقرها مسقط، واُنشأ لها فروع في صلالة عام 1943 ومطرح عام 1955، بلغ مجموع طلبة هذه المدارس (900) طالباً، أما عدد المعلمين والاداريين فقد بلغ (30) معلماً وإدارياً “.
وبقدوم مجدد الأمجاد العُمانية، السلطان قابوس بن سعيد للحكم في 23 يوليو/ تموز 1970، عرض -رحمه الله- الوضع في مقابلة صحفية له مع مجلة الوطن العربي بقوله: “ما من شك أن التعليم هو مشكلتنا الأولى في عُمان، لأن الإدارة والتخطيط يحتاجان الى مخططين ومديرين، وإلى موظفين مثقفين، ونحن نريدهم من أبناء الشعب نفسه، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا إذا انتشر التعليم، إن الخبراء يكلفوننا مصاريف باهظة، وأنا لا أقلل من خطورة المشاكل الأخرى، فالناحية الصحية والمواصلات والطرق كلها مشاكل تواجهنا ولكن الأولوية دائما للتعليم، سنعلمهم حتى في ظل الشجرة، نهضتنا لن تتحقق إلا إذا سبقتها نهضة تعليمية”. وعلى إثر ذلك دأبت الحكومة على توزيع مظلة التعليم على جميع ربوع البلاد، وكأن ذلك تجسيدًا لما نصّت عليه المادة (17) من النظام الأساسي للدولة: “المواطنون جميعهم سواسية أمام القانون، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو المذهب أو الموطن أو المركز الاجتماعي”. وفي الباب السادس من النظام ذاته أكدت المادة 59 على أن “سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، وأن شرف القضاء ونزاهة القضاة وعدلهم ضمان للحقوق والحريات”؛ وكان التعليم أس الحقوق جميعها.
كان السلطان قابوس طيَّب الله ثراه يدرك أبعاد التعليم وأثره في نهضة الأوطان، لذا عبَّر عن ذلك أمام سيرجي بليخانوف، في كتابه “مصلح على العرش” فقال: ” التعليم هو مفتاح النجاح، وهو ليس هدفاً بذاته، وإنما وسيلة لوعي الناس وإدراكهم الذاتي في المقام الأول… إن مشكلة التعليم تشغل بالي منذ الصبا، فبدون التعليم لا يأخذ الناس فكرة عن الخير والشر والحق والباطل ولا يمكنهم أن يهتموا بأنفسهم ويسهروا على مصالحهم”. وعليه انطلق قطار التعليم في السلطنة بتشكيل الحكومة “في 15 أغسطس/آب 1970 من أربعة وزراء كان من بينهم وزيراً للتعليم بعد أن تم إنشاء وزارة للتربية والتعليم في نفس العام”. وتم “قبول (245) طالب وافتتحت مدارس جديدة في القطاع الشرقي من صلالة والقرى الساحلية كطاقة ومرباط وسدح”، وفي العام نفسه “تم افتتاح مدرسة للبنات دخلتها (650) طالبة”. وكما جاء في التقرير الإحصائي السنوي، 1974 – 1975، أنه “خلال العام الدراسي 1970/1971 أرتفع عدد الطلبة وبلغ (6941) طالباً وطالبة وبلغ عدد الذكور منهم (5805) في حين بلغ عدد الإناث (1136)، أما في العام الدراسي 1971/1972 فقد أرتفع عدد الطلبة وبلغ مجموعهم من بنين وبنات (15334) طالب، وكان عدد الطلاب الذكور (13382) أما الإناث فكان (1952) طالبة”. وهكذا تضاعف العدد ليشمل الكبار من مبدأ “التعليم للجميع”، وعليه تم افتتاح عدة مراكز لمحو الأمية “التحق (3587) دارساً في مختلف مناطق السلطنة منهم (786) من النساء”. وأشرف “المركز الدولي للتعليم واليونسكو” على تدريب العناصر التربوية في برنامج محو الأمية وتعليم الكبار، فيما بلغت قيمة الميزانية المرصودة لاحتياجات التربية والتعليم منذ عام 1971 حتى عام 1975، مبلغا وقدره 9,785,006ريال عماني أنفقت على بناء المدارس والمنشئات التعليمية، وفي الخطط الخمسية التالية تضاعفت ميزانية التعليم بسبب إنشاء توسعات جديدة ومتواصلة في عدد المدارس في جميع محافظات وولايات السلطنة، فقد خصصت الوزارة أكثر من خمسة عشر مليون ريال عماني لهذه التوسعة في الميدان التعليمي؛ وهذا الرقم المالي المخصص للتعليم الآن أكبر بكثير من 15 مليون.
ومن أجل تتبع مسيرة التعليم في جزءٍ عزيزٍ من عُمان، فقد أقام النادي الثقافي حلقة نقاشية بعنوان: “مسيرة التعليم في محافظة مسندم”، تصدى الأستاذ خالد بن أحمد الشحي لإدارة الحوار والنقاش فيها، بعدها قدَّم نبذة عن التعليم وعن الضيوف المتحدثين في الجلسة الافتراضية. ثم بدأ الأستاذ إبراهيم بن عبد الخالق الرئيسي، الذي استهل حديثه بالتذكير بـ”الكتاتيب، كانوا يعلموننا القرآن الكريم والخط العربي”  وهو الأساس الذي انطلق منه التعليم في دبا، وأكد أن ذلك هو ذاته في جميع مناطق السلطنة، أما المدرسة النظامية في ولاية دبا بمحافظة مستدم فقد بدأت “أول مدرسة فتحت في ولاية دبا هي مدرسة عمرو بن العاص في السابع من رمضان المبارك 1392هجرية الموافق 14 أكتوبر 1972م، تضمنت أربعة فصول من الصف الأول إلى الصف الرابع الابتدائي، وكان عدد الطلبة حوالي 119 طالب فقط، في الصف الأول الابتدائي 56 طالب موزعين على شعبتين، وفي الصف الثاني 42 طالب موزعين على شعبتين أيضًا، و14 طالب فقط في الصف الثالث، بينما لم يلتحق بالصف الرابع الابتدائي إلا 8 طلاب لا غير؛ أما الهيئة التدريسية فتكونت من 6 معلمين ومدير المدرسة “، أما نصيب ولاية مدحاء فقد تحدث الأستاذ أحمد بن محمد المدحاني عن وجود “5مدارس لتعليم القرآن الكريم يفد إليه أبناء مدحاء والولايات المجاورة” في محافظة مسندم، أما التعليم النظامي فقد بدأ بافتتاح أولى المدارس في العام الدراسي 1973/1974، وكانت تحت الخيام، تضمنت هذه المدرسة صفين دراسيين هما الصف الأول والثاني الابتدائيين فقط، ثم تم استئجار منزل تم تسميته بمدرسة النصر، ثم تم بناء مقر حكومي لمدرسة النصر تضمنت 6 صفوف، ثم افتتحت مدرسة للطالبات في العام 1983/1984، وكانت هذه المدرسة على فترتين مسائية وصباحية إلى أن افتتحت مدرسة تماضر 1983/1984. بعدها أسهب الدكتور يوسف بن عبد الله الشحي متحدثًا عن التعليم في نيابة ليما، حيث بدأ التعليم هناك في عام 1974، وبدأت العملية التعليمية في مدارس من الخيام والسعف، كانت السيارات هي من تنقل الطلاب ممن كانت بيوتهم بعيدة، ثم أسهب الدكتور يوسف عن التضحيات التي قدَّمها المعلمين الوافدين من الدول العربية.
وعليه، وبعد هذه المسيرة الجليلة في التعليم الحديث في عُمان، لا يمكن الحديث عن المقارنة بين مستوى الوعي في الشعب  العُماني ما قبل  عام  1970 والآن، البون شاسع والأرقام تزداد اتساعًا والمنجزات ظاهرة للعيانِ وتتحدث عن نفسها دون أن تتحدث أو تنبس ببنت شفة.

عن عالم الثقافة

شاهد أيضاً

“إِطْلالَةُ القَلْبِ عَلَى مَعْناهُ”

شعر عصام سلمان /لبنان لا شَيْءَ يَحْجُبُكَ عَنْ حَقِيْقَتِكَ لَحْظَةَ الصِّدْقِ، فَتَراكَ مَكْشُوْفًا فِي كُلِّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: