نساءٌ في غرفة فرجينا وولف وريادتهن في النقد

د. موج يوسف | ناقدة وأكاديمية – العراق

تبدو مهمتي شاقة عندما أكتب عن دراسة نقدية، وهذه الأخيرة عن ناقدات أيضاَ فلكَ أن تتخيل عزيزي القارئ ونحن نغزل خيوط النقد، ونفصل ثوب الإبداع الذي تلاحم بسلسلة متواصلة من الطروحات النقدية النسوية بدءاً من فرجينا وولف في أوروبا ومي زيادة في الشرق الأوسط ولم يبال الكثير لجهودهن النقدية، فكيف نلمُّ شتات طروحاتهن النقدية وإظهار لمساتهن الحداثوية؟، الدراسة الصادرة حديثاً عن دار نينوى للناقدة والدكتورة سعاد العنزي بعنوان(نساء في غرفة فرجينا وولف… الخطاب النقدي حضور يقاوم الغياب) تجمع ذا الشتات، فقد رأت الناقدة أن هناك تجاهلالجهود هاتين الناقدتين على مستوى نقدهما، فارتأت أن تقدم دراسة مقارنة عنهما.


انطلقت د. سعاد من الحياة الخاصة لكليهما لاعتقادها التام أن (حكايات النساء تلتقي عند بئر واحدة)، وهذا ما نلحظه عند قراءتنا للقسم الأول من الكتاب، إذ فصلت الكتاب على أقسام وكان الأوّل مطرزاً بالسيرة الذاتية لكلِّ من (وولف وزيادة) وكيف كان لأبويهما الفضل في الدخول لعالم الأدب فضلا عن تحررهما من سلطة المجتمع حتى استطاعتا الوقوف على أرض صلبة ترعى سنابلهن المنحنية بالقمح، لكنّ صلابة الأرض لم تدم؛ لما باغتها جرف تسبب لهما بالصدمة، وهذا ما بوبته الناقدة تحت عنوان (جرح العقل) ولا يغيب عن القارئ ما تعرضت له فرجينا وولف من صدمات وأزمات ومآسٍ حتى كان الموت الحل الذي يحضن أوجاعها فانتحرت، أما مي فقد توالت الخسارات والفقدان عليها مرفقة بالخذلان من أقرب الأصدقاء طه حسين والعقاد حتى اعتنقت العزلةإلى أن ماتت.

بهذا الجانب توضح لنا د.سعاد عن آثار الصدمة من علم النفس محللة الحالات. والقسم الثاني جاء فاتحاً الأبواب على إبداعهما الفكري والنقديّ وهذا الذي يهمنا، وأوّلهما وولف التي قدمت وجهات نظر نسويّة علميّة في الوقت الذي لم تكن فيه الحركة النسويّة شيئاً يذكر، ومن بين الطروحات النقديّة التي ألقت الضوء عليها المؤلفة فتقول: إنَّ وولف (تظهر وهي تحلل وتفسر وتنتقد ولا تنظر إلى الماضي نظرة إحتفائية وهي لا تقدم استدعاءً احتفائياً بممارسات الماضي) ص100، وهذا قريب من رؤيتنا النقديّة ايضاً التي ذكرتها في مقال بعنوان (فرجيناوولف وتأنيث النسق في رواية بين الفصول)، المنشور بصحيفة المدى، فذكرت أن وولف أرادت أن تؤسس لفكر مستقل وفلسفة بعيدة عن الآخر السلطوي ولا يتمّ هذا الا عبر الإلحاد بالتاريخ وإعلان موته، وهذا ما يجعلها لا تحتفي بالماضي كما بيّنته د.سعاد.

 وعن المدينة العربية التي نثرت فيها زهور الوعي بقضية المرأة والمعرفة، مي زيادة لها الريادة في ذلك فتذكر الناقدة العنزي إن الوطن العربي في عشرينيات القرن الماضي قد تحرّكت فيه ناقدات ناشطات نسويّات ترأسهنَّ هدى شعراوي ونبويّة موسى ومي زيادة، غير أن الأخيرة كان لها صالون ثقافي احتضن الحداثة وروادها طه حسن والعقاد وغيرهم، وأسهم هذا الصالون برفد الثقافة العربية لكنه شهد مفارقات وتناقضات بحسب رأي بعض الناقدات كما ذكرت د. نوال سعداوي (إذ تختلط في الصالون بهجة الفكر مع لذة العشق ويتحوّل الإعجاب بالعقل الإنساني التنويري إلى رغبة في امتلاكه)ص107.

وعن النسويّة في الأدب والنقد تحدد د.سعاد أن وولف بعد أن أصدرت رواية (الغرفة) بعشر سنوات أصدرت كتاب (ثلاثة جنيهات) إذ دافعت وولف عن أشكال العمل السياسي الذي تشكل فيه النساء أنفسهن مجتمعاً من الغرباء، ورواية الغرفة وثلاثة جنيهات تثبت رؤيتها النسويّة والجدلية.

وهل للعرب نسويّات؟ مي متعددة الثقافات واللغات من النسويّات، فترى الناقدة سعاد أن جهود مي النقدية النسوية تسلط الضوء على أدب المرأة وقراءة اشكاليته قراءة ثقافية في ثلاثة أعمال مهمة وهي (عائشة تيمور وملك حنفي ناصف ووردة اليازجي).

وقد تعرضت المؤلفة لقضية أخرى هي حضور المرأة في العمل الإبداعي وغيابها.

في صناعة العمل الإبداعي إشكالية لطالما رافقت المرأة بالرغم من وجود بعض النساء الا أن حضورهن قليل مقارنة بالرجال، وأقول حضورهن يشبه الغياب وأحياناً خجول، وهذه القضية لم تغب عن الناقدات الثلاث، وولف رأت حل هذه الإشكالية بـ(أهمية استقلالية المرأة مادياً حتى تستطيع أن تكون حرة في قراراتها واختياراتها وتحرّكاتها لأن النساء في العصور السابقة خضعن لسلطة الرجال بسبب أن الرجال يوفرون لهن المسكن والمأكل)، أما مي فقالت (نحن الفتيات أسيرات الأزياء وعيادات التبرج ولعب الأهواء أنكتب عن فتيات اليوم)، أما الناقدة الحاضرة د.سعاد فترى أن المجتمع الذي يبتعد عن الحياة المدنيّة تعيش المرأة في نظام اقطاعي لا تستطيع حماية جسدها في ظل البنية الجسمانية الضعيفة للمرأة المتخليلة ص 227.

والناقدة صاحبة هذه السطور ترى أن ايمان المرأة بذاتها يقودها لتحطيم تابو السلطة الذكورية، ومنه تستطيع هدم ما بنته جمهورية افلاطون وإعادة بناء فلسفة وفكر نسوي تعيش على عرشه. تبدو الآراء ابتعدت عن منهج الدراسة، لكن دورنا هو نشر الوعي ايضا.

والحكاية لا تنتهي لأنّ شهرزاد لم تنهها وهكذا رأت الدكتورة سعاد في ختام الدراسة (لا أريد للحكاية أن تنتهي).

الدراسة هي إضافة قيّمة للمكتبة الأدبية العربية التي تفتقر إلى الدراسات النسويّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى