الرئيسية / رواية / قراءة في رواية (عزة متلازمة القلب المنكسر) للكاتب عصام عبد الحميد

قراءة في رواية (عزة متلازمة القلب المنكسر) للكاتب عصام عبد الحميد

بقلم: وداد معروف | أديبة وإعلامية مصرية

هذه الرواية هي الأولى للكاتب عصام عبد الحميد بعد حوالي خمس مجموعات قصصية, تبعتها رواية ثانية بعنوان ( الست مها).
تقع رواية “عزة متلازمة القلب المنكسر” في 378 صفحة, من القطع المتوسط، صدرت عن دار البشير عام 2019.
العنوان وصورة الغلاف


أول ما يثير شغف القارئ هو العنوان مع صورة الغلاف في أي كتاب يطالعه, دائما ما نتشوف لمعرفة سره, وعندما ننظر لتيمة الرواية والمضامين السياسية والاجتماعية نتمكن من معرفة سر عزة وانكسار قلبها, حين نفكك العنوان مع روايتنا هذه, نجد أنها عزة ( أنثى) يشي اسمها بالشموخ والعزة. وقلب منكسر! كيف يستقيم الأمر!.. ومتلازمة!. إذا فهي حالة مرضية، تتضح المعاني والدلالات شيئا فشيئا كلما انسابت الرواية رهوا مع القارئ, أما صورة الغلاف فهي لرأس امرأة رسم بخطوط بيصاء، تاركة شعرها منسابا مستلقا على مساحة كبيرة من اللون الأحمر, كأنما هي بركة من الدماء, مما يوحي بخطورة ما.

الإهداء
أهدى الكاتب الرواية التي وصفها بالواقعية وأن كل أحداثها وشخصياتها حقيقية إلى بطلة روايته عزة؛ فكتب يقول ” إلى عزة.. وكل عزة .. إلى نور الحياة التي تتوهج روحي بحضورها؛ فتنسال الحروف مثل جدول الماء العذب؛ ليرويني في هجير الرحلة الطويلة.

فكرة الرواية
تقوم فكرة الرواية على صراع بين الحق وبين قوى الشر، الحق متمثلا في الشاب حسام النابه العبقري الذي ذهب لدراسة الزراعة في أمريكا، فأثبت تفرده العلمي وقدم أبحاثا جديدة في مجال الزراعة تعطي إنتاجية وجودة ونظافة للبيئة، فتربصت به زميلته سارة الأقل منه تميزا والتي دأبت على سرقة أفكار أبحاثه من مفكرته الحمراء وتقديمها باسمها إلى الجامعة، يستمر الصراع حتى بعد عودته إلى مصر، ويتبعه اللوبي الذي تنتمي إليه سارة، حتى يتآمر عليه ويقصيه عن الجامعة التي يعمل بها أستاذا ويودعه السجن ثم يدخل إليه السجن مساوما على تلك الأبحاث التي لم تكتمل ليأخذها منه بالقوة والقهر داخل السجن، يقاوم ويقاوم ثم في النهاية يستسلم ويقدم لهم مفكرته الحمراء وما تحتوي، ومع هذا لا يخرجونه من السجن، يتركونه فيه سنوات وسنوات, يخرج منكسرا مكتئبا، ترفض الجامعة عودته فيعمل مدرسا في المرحلة الثانوية، تجمعه الظروف بعزة الأخصائية الاجتماعية؛ التي ما إن تراه إلا وتعلن عليه الحب، كأنها كل على موعد معه، وهو الغافل عن مثل تلك الأمور, فقد جعلته تجربة السجن الطويل وضياع الأحلام عازفا عن الحياة, منكفئا على تربية ابنته، التي لم يذكر لنا المؤلف ظروف إنجابه لها، تطارده عزة بالهاتف فتحيي فيه آمالا ذبلت وجفت، فتشرق فيه شمس الحب فيبادلها مشاعرها, وإن بدأت أقل من مشاعرها بكثير, لكن عزة الجريئة المقتحمة تعرف بثقتها وإصرارها أنها جد بالغة مرادها منه.
عزة تلك الأرملة التي فقدت زوجها إثر ليلة بلغا فيها من الوصال الثمالة, ومكثت عشر سنوات في الترمل تربي أبناءها، شعرت أن الحياة لا تكون إلا في ظل رجل تغترف معه من الحب.
أحداث كثيرة تعج بها الرواية، حشدها بإتقان عصام عبد الحميد، استطاع بنجاح أن يمسك بكل الخيوط في يده ويدخل القارئ عالمه الذي أحاط بكل تفاصيله، واستعد له بمادة علمية جيدة في الزراعة وفي الأحداث السياسية من ثورة يوليو حتى ثورة يناير، ناقش كثيرا من القضايا التي أرقت مصر والمصريين، السلام والتطبيع وزراعة القطن والأرز والفواكه والمبيدات وهجرة العلماء والتربص بالعباقرة منهم، الكثير و الكثير الذي أحيانا كان يستغرقه فتتحول الرواية إلى جزء من الكتابة الصحفية، ثم ما يلبث أن يعود إلى عزة وقلبها المنكسر, فيكتب بشاعرية رائقة عن تلك العزة التي جعلها رمزا لمصر، بانكسارها وانتصارها بحزنها وإشراقها
ناقش أيضا في روايته قضايا اجتماعية, مثل حق الأرملة والمطلقة في الزواج من خلال فاطمة أم عزة وأيضا عزة ورفض أولادهما لفكرة الزواج، كما ناقش أيضا تعاطف المجتمع مع الأرملة وانحيازه لها، واتهامه الدائم للمطلقة بالفشل, ناقش العلاقة المتوترة بين الأم وابنتها، حين سرد لنا كيف تأزمت العلاقة بين الأم فاطمة وابنتها عزة؛ حين دخلت عزة تحمل زجاجة النبيد الحشري في مجلس عقد زواج أمها على عمها إبراهيم وقد احتست منها قطرات اعتراضا على هذا الزواج، وكيف بدأت تتعقد علاقتهما من بعدها.

الزمن في الرواية
بدأ الزمن في الرواية من 25 يناير 2011، وانتهت الرواية في 25يناير 2011، يلعب الكاتب بالزمن، فأحيانا يجعله متراتبا وأحيانا أخرى يقطعه، فيعود بنا إلى سنوات مضت، فمن عام 2010 إلى عام 1973, ثم يأتي إلى عام 1995 ثم يعود إلى عام 1967، ثم نجده يحملنا إلى عام 2003 وهكذا بين تراتب وقطع, وبين هذه الأزمنة تدور الاحداث, بدأت الرواية من السجن وانتهت في المستشفى، حيث عزة تصارع الحياة، وتحملنا من من القرية إلى القاهرة حتى أمريكا وتعود بنا أخيرا إلى حيث ترقد عزة بقلبها المنكسر والذي شرح حالته طبيبها فقال “إن من يصاب بحالة القلب المنكسر, يحدث له جلطة في القلب، لكنها ليست بأسباب عضوية، ولكن صاحب القلب المنكسر شخص يحمل درجة عالية من الإحساس، وقدرا أكبر من العاطفة المتدفقة، تجاه شخص أو أمل معين, ولكنها عاطفة مختلفة ولها خصوصية, يجنح هذا الشخص عادة في ردود أفعاله إلى التطرف, فإذا واجه حدثا في حياته جاءت ردود أفعاله متطرفة، ووجد نفسه عاجزا عن اتخاذ رد فعل يوازي هذا القدر من القسوة والمفاجأة يحدث له رد فعلي كما حدث لعزة”.

تكنيك الرواية
يستخدم الكاتب تيار الوعي وتقنية الفلاش باك والراوي العليم, السرد أكثر من الحوار في الرواية, وكنت أتمنى أن يتوازن بعض الشيء.

لغة الرواية
لغة بسيطة غير معقدة, سليمة من الأخطاء, تصل للشاعرية حينما يتحدث حسام عن علاقته بعزة, كهذه العبارة ” ماتت المرأة الوحيدة التي عثرت عليَّ؛ فعثرت على نفسي”.
وتصل لأوجها من الشاعرية حينما يصف عزة ” تريد عزة أن تنام الليلة في حضني، لا شيء غير ذلك، ويغلبها النعاس في صدري، على صوت دقات قلبي، وأن ترف روحي مع روحها بين نجوم الليل، وتسبحان في الفضاء كالأفلاك، ثم يعودان قبل أن يؤذن ديك الصباح.”
كرر الكاتب كلمة ذبالة مثل “ذبالة الامل المتهاوية” وكلمة استثنائية التي يستعملها حين يصف المرأة فيقول “امرأة استثنائية” أو ” علاقة استثنائية” وقد كنت ألحظها أيضا في مجموعاته القصصية.

الوصف
بحكم ان الراوي حسام استاذ في الزراعة فدائما ما يصف عزة بالأرض، ويصف حبه لها بالنهر الجاري، الذي عليه ان يروي الأرض العطاش، كما انه يصف جمالها دائما بعين محبته لها، فيمعن في وثفه الحسي لها.

الشخصيات في الرواية
الشخصيات الرئيسية هو حسام وهو الراوي الذي بدأ الحكي في السجن لشباب يناير الذي جمعه بهم فقال مستفتحا حكايته ” يا سادة يا كرام ولا يحلى الحديث إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام” تيمة شعبية تراثية توحي بأن هذا الذي ستقرأوه معاشر القراء هي من نفس السير والملاحم التي خرجت من معين الحكايا الشعبية وبطلها حسام مثله مثل الرموز الشعبية مثل “أبو زيد الهلالي، وأدهم الشرقاوي البطل الشعبي الذي خذلته قوى أكبر منه كما هو الحال دائما”.
فشخصية عزة بصلابتها وقوتها وتشوفها لحياة تحقق فيها ما حرمت منه من سعادة إلا أن قلبها يخذلها وينكسر؛ فالصدمات وفقد الحبيب أقوى من صمودها الظاهر.
في النهاية حقا استمتعت بدخول عالم عصام عبد الحميد الروائي والعيش بين شخصياته التي أتى بها من واقعنا وبثها أفكاره ورؤاه فتمثلت لنا بشرا سويا، كما أنه حملها قضايانا المؤرقة فأرقتنا وتفاعلنا معها وحملنا جذوة حلمها المتقد، وجعلنا ننتظر إشراق شمس غد جديد جميل.

عن عالم الثقافة

شاهد أيضاً

صلاة

شعر عبدالسلام المحاميد/سورية أتسلَّقُ حُلْماً و أستلُّ من جعبةِ الذّكرياتِ شراعاً، و أمضي إلى حيثُ …

تعليق واحد

  1. د.محمد الأبحر

    سلمت يداك أستاذه
    قرأت الرواية وعشت أحداثها واستمتعت بها، لكننى أبداً لم أسبر غور شخصياتها ولم أحط علماً بخلفيات أحداثها كما فعلت أنت كناقدة بصيرة وقارئة خبيرة كل التحية لك وللحبيب الأستاذ عصام عبد الحميد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: