الرئيسية / قصة / دكتورة سوزان 

دكتورة سوزان 

مصطفى العارف | قاص وناقد عراقي

   التقيت بزميلتي دكتورة سوزان أستاذة بكلية الفنون الجميلة عندما  أقامت معرضا فنينا جميلا عرضت فيه كل لوحاتها الفنية المرسومة في مدة زمنية متباعدة وجهت لي دعوة  أعادت لي الذكريات قبل  تخرجنا من كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد  في التسعينيات ,كانت جميلة وغنية وتسكن في منطقة المنصور, تميزت بقدرتها الفنية على الرسم الانطباعي.

    دخل المدعون والضيوف لمشاهدة اللوحات الفنية وكيف أجادت سوزان برسمها, دخلت مع الضيوف وجدت لوحة فنية كبيرة سحرتني بجمالها  تدل على جمال الطبيعة معلقة وسط القاعة, وأخرى من الجهة اليسرى للقاعة شاهدت لوحة  لرجل كبير هرم يشرب الشاي, وهو يتأمل أمواج البحر المتلاطمة  والسكينة والوقار تبدو عليه وهو يضع السكارة في يده اليمنى والدخان مرسوم بريشة فنية على طول اللوحة, تجولت في القاعة وأنا متلهف لمشاهدة سوزان وأنا اسأل نفسي هل تغيرت؟ هل تزوجت؟ هل أنجبت,  ومتابعة اللوحات التي عرضت على قاعة كلية الفنون الجميلة وانشغال سوزان عني مع ضيوفها وزملائها أساتذة الكلية وهذا ينتقد وذاك يثني على أعمالها, وأنا اتامل اللوحات وأسجل ملاحظاتي حتى لفتت نظري لوحة فنية معلقة على الجهة اليمنى من القاعة معبرة عن حجم المأساة التي تحملها فتاة جميلة  ريفية ترتدي الزي العربي وهي تبث حزنها العميق من خلال نظرتها الثاقبة والحالمة, تتطايرت دموعها حزنا وغضبا على اغتيال حبيبها العراق  وتحولت عينيها الواسعتين إلى براكين حمراء غاضبة وكأنها أصبحت هالة جميلة في سماء الوطن الجريح , وهي تعكس ألوان اللوحة مع أشعة الشمس المطلة من شباك القاعة ارتسما الحاجبان رسما خفيفا مائلا للسواد, وهي تمد يدها البيضاء تحاول إنقاذ حبيبها, وبرزت قلادة بيضاء تحمل أسماء الشهداء وهي تزين جيدها الأبيض نظرت إلى  لوحة الفتاة الجميلة المنكسرة وكأنها تتحدث معي وتشكو لي  قسوة الزمن وإنا غارق في تأمل اللوحة.

 سألتني سوزان بصوت دافئ معبر عن مشاعر فنانة جياشة المشاعر رقيقة الأحاسيس دكتور علي  ما رأيك بلوحتي؟  تفا جئت من السؤال؟ أخبرتها بأنها أفضل لوحة في المعرض قلت لها ما يميزك قدرتك على مزج الألوان الطبيعة مع الفتاة الجنوبية  الحالمة بحبيبها الذي فقدته ولن يعود أبدا.

قالت سوزان هذه اللوحة هي تعبر عن حياتي الشخصية إذ تخرجت وتزوجت من دكتور عبد الكريم أستاذي الذي علمني الرسم والثقافة الواسعة وأنجبت طفلين تم اغتيال دكتور عبد الكريم  أثناء عودته من الجامعة بسبب الصراعات الطائفية التي انتشرت في بلدنا في الأيام الماضية حزنت حزنا عميقا وكبيرا على فراقه, وتركت الكلية والرسم وبعد سنوات طويلة بدأت محاولتي للرسم والتعبير عن الواقع المرير رسمت مجموعة من اللوحات الفنية التي فازت خارج العراق بجواز قيمة وشجعني بعض الزملاء على أعادة الرسم والعودة إلى كلية الفنون الجميلة وفعلا عدت من جديد وتذكرتك وأرسلت إليك دعوة للحضور فكانت هذه اللوحة معبرة عن سيرتي وقد أعجبتك وأعجبت جميع الحاضرين.

ولم أخبرك بما جرى لي دكتور علي وبدأت تسقط دموعها ولم تتوقف عن النجيب عاد ولدي احمد من مدرسته إذ تم اختطافه من قبل مجموعة إرهابية بحثت عنه في كل مكان ولم أجده حتى رن هاتفي النقال دكتورة سوزان نعم ابنك في أمان معنا عليك أن تدفعي الجزية والفدية عنه لم استطيع الرد والكلام كان بكائي وصمتي هو الرد عليهم ثم قال  عليك دفع مبلغ خمس دفاتر مقابل سلامته وأغلق الهاتف ولم يكن عندي المبلغ المراد مني اضطرتني الظروف إلى  بيع بيتي بثمن بخس في منطقة العامرية من اجل إنقاذ حياة ولدي احمد والتقيت بمجموعة من المجرمين واللصوص سلمت لهم المبلغ  كاملا, وسلم لي ولدي احمد وأغمي عليها وهي تتحدث عن ماساتها  حملتها والزملاء معي  إلى القاعة المجاورة وضربتها على خدها أفاقت وأغمي عليها مرة أخرى بعدها أفاقت وهي تصرخ كان ولدي احمد  مقطوع الرأس, واليدين ,والرجلين بأي  ذنب يقتل الأطفال , وما ذنبه ؟ ذبح بعمر الورد .

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

أريقُ نزف القلب شعرا

أشرف حشيش | فلسطبن كتبتُ وحمحمَتْ لُغتي. وحنّت قصائدُ هائمٍ يأبى الصدودا °°° ورحتُ أريقُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: