الرئيسية / صحة نفسية / العلاج بالفكاهة

العلاج بالفكاهة

إعداد: د. محمد السعيد أبو حلاوة – أستاذ الصحة النفسية المشارك، كلية التربية –  جامعة دمنهور

أولاً- مقدمة:

العلاج النفسي القائم على الفكاهة وروح المرح والحسي الفكاهي

ما المقصود بالعلاج الفكاهي أو القائم على الدعابة وروح المرح والحس الفكاهي؟What is humor therapy?يٌسْتخدمُ في العلاج بالدعابة والفكاهة وأحيانًا يطلق عليه “الدعابة أو الفكاهة العلاجية” قوة الابتسامات والضحك للمساعدة في التعافي والشفاء من التعاسة والكروب النفسية. ويساعدك العلاج بالفكاهية على إيجاج الطرائق التي تجعلك أنت أو الآخرين تبتسم وتضحك كثيرًا.

وعندما تفكر في العلاج بالفكاهة والدعابة وروح المرح، ربما يطرأ في ذهنك صورة المهرجين في جناح الأطفال في المتشفيات وهم يهتفون للأطفال المرضي ويجتهدن في إضحاكهم والتسرية عنهم ورسم الابتسامة على وجوههم، من جانب آخر تحرص عديد من مستشفيات الأطفال على وجه الخصوص على توفير مواد فيلمية ومصورة مضحكة، مع تعليم الممرضات على قيمة الضحك وأهميته بالنسبة لمن يقدمون الرعاية لهم.

وركز عديد من العلماء في الوقت الحالي على دراسة العلاقة بين “الجسم والعقل”، خاصة دور العقل أو التكوين النفسي في تمكين الجسم من التعافي فيما يعرف بتخصص “علم المناعة النفسية العصبيةpsychoneuroimmunology” وتوصلوا إلى أن “الضحك” يبدو أنه يغير من كيمياء الدماغ ويعزز من جهاز المناعة فيما يعرف بالقوة المناعية للضحك.

من جانب آخر تسمح الدعابة والفكاهة والتحلي بروح المرح والحس الفكاهي للشخص بالشعور بالسيطرة على الموقف وتدفعه إلى الاعتقاد بقدرته على إدارة المواقف الصعبة أو حتى الضاغطة والصادمة، فضلاً عن تحريره من الخوف والغضب والاستياء والمشقة، وهي انفعالات سلبية لها تأثيرات ضارة على الجسم على المدى البعيد؛ ومن ثم فإن التخلص منها عن طريق الفكاهة وروح المرح والدعابة يحسن من نوعية أو جودة حياة الشخص.

ثانيًا-  تعريف الفكاهة العلاجيةTherapeutic Humor:

تعرف الفكاهة العلاجية أو “روح المرح والدعابة العلاجية” طريقة في العلاج النفسي استخدمت منذ السبعينات من القرن العشرين تتضمن تأكيدًا في العملية العلاجية على كل ما يمكن أن يخلق الانفعالات الإيجابية والضحك في التكوين النفسي لمن يعانون من البؤس والكرب والمشقة النفسية بغض النظر عن مصدرها.

وتظهر نتائج عديد من الدراسات العلمية أن للفكاهة العلاجية فاعلية مثبتة بالدليل في خفض ضغط الدم المرتفع، وتعزيز وتقوية وظيفة جهاز المناعة، وخفض هرمونات المشقة، وتنشيط الإندروفينات في الجسم، وتخليق الشعور بالحبور والنشوة داخل العميل.

ويستخدم في الفكاهة العلاجية أو العلاج بالفكاهة قوة الضحك والابتسامة في مساعدة الناس على الشفاء والتعافي والتخلص من الأعباء والآلام النفسية المصاحبة للأفكار والمشاعر السلبية المرتبطة بحالة المرض أو الكرب والمشقة.

ويوجد في واقع الأمر علاقات ارتباطية بين “الضحك” ، و “العقل والجسم”، ويمكن أن يفضي الضحك إلى تغيير في كيمياء الدماغ وتشجيع الجسم على التعافي. من جانب آخر تتضمن الفكاهة وروح المرح والدعابة قوة لجعل الشخص يشعر بإمكانية سيطرته على ذاته وإدارتها بما يسمح له بالتحرر من الانفعالات السلبية التي تضر الجسم أو تؤذيه مثل: المشقة أو الخوف المرتبط بالصحة والأحداث الخارجية.

ثالثًا- أهداف الفكاهة العلاجية:

رغم تعذر اعتماد “الفكاهة العلاجية” كصيغة علاجية قائمة بذاتها وتحقق شفاءً من الاعتلالات النفسية المشخصة، إلا أن ما هو مثبت أنها تخفض من المشقة والكرب النفسية وتحرر المضطربين نفسييًا وجسمانيًا من الانفعالات والمشاعر السلبية المصاحبة لحالات الاعتلال والبؤس النفسي مثل الاكتئاب، والضحك لغة الجسد وله تأثيرات واضحة على جهاز المناعة وعلى الجهاز الدوري.

ويتمثل الهدف المركزي للفكاهة العلاجية في تحسين جودة الحياة، وتزويد المرضى بالراحة النفسية، وترقية وتعزيز حالة الاسترخاء النفسي، فضلاً عن خفض الضغوط والمشاق والكروب، وبغض النظر عن حالة الاعتلال النفسي تشخيصيًا، فالفكاهة العلاجية علاجًا فوريًا قصير الأجل يحسن بصورة مباشرة من يوم المريض، وربما يحسن من العلاقات بينه وبين مقدمي الرعاية له.

رابعًا- متى تستخدم الفكاهة العلاجية؟

تستخدم الفكاهة العلاحية بأمان تام كجزء طبيعي في سياق أي صيغة من صيغ العلاج النفسي، إلا أن غالبية استخداماتها تكون مع الأشخاص الذين يعانون من مرض مزمن بما له من تأثيرات سلبية على حالاتهم المزاجية والسلوكية؛ حيث يفضي استخدام الفكاهة العلاجية إلى اختزال وخفض التأثيرات السلبية لمثل هذه النوعية من الأمراض عن طريق التخلص من الخوف أو العجز المصاحب لها.

من جانب آخر تستخدم الفكاهية العلاجية كعلاجح وقائي مع من يتم تشخيصهم على أنهم يعانون من أمراض مزمنة وكذلك مقدمي الرعاية لهم، فمن الشائع أن من يقدم الرعاية لمريض لديه اعتلالات بدنية أو نفسية مزمن قد يعاني من مستويات مرتفعة من المشقة والكرب؛ ومن ثم فإن استخدام الفكاهة العلاجية مع الطرفين ييسر عملية التخلص من هذه المشقة وذاك الكرب؛ خاصة لكونها غير مجهدة وغير مكلفة لكل المرضى ومتاحة في أي وقت.

وقد لا يعرف على وجه التحديد ميكانيزمات وديناميات تأثير الفكاهة العلاجية على المرضى إلا أنها ترتبط بتغيير في الموصلات العصبية في الدماغ والتي تلعب دورًا في الشعور بالراحة والرضا والتقبل والطمأنية والسعادة، إضافة إلى تأثيرات العلاجات الطبية والنفسية الأساسية التي تستخدم معهم.

خامسًا- ميكانيزمات وديناميات الفكاهة العلاجية:

عندما يطبق المعالج النفسي أو مقدم الرعاية الفكاهة العلاجية تتعدد بصورة واضحة المادة الفكاهية وأساليب تقديمها والتفاعل معها، من جانب آخر تختلف آليات ووسائل ومحتوى تقديم المادة الفكاهية حسب السياق التي تطبق فيه: مؤسسة طبية، المنزل، مركز علاج نفسي، أو أى صيغة أخرى للإرشاد.

وابتكرت مؤسسات علاجية كثيرة غرفًا نوعية خاصة تحتوى على مواد فكاهية تتضمن تسجيلات سمعية صوتية مبهجة وأفلام وكتب ومباريات فكاهية، وتستضيف مستشفيات عديدة متطوعين يساعدون المرضى على الضحك والمرح.

وثبت أن “الضحك والمرح” يحسن من الصحة الروحية والاجتماعية والنفسية، ويمكن أن ينشط هذا الأمر بأي مثيرات تحفز وتشكل انفعالات إيجابية في التكوين النفسي للمرضى، من جانب آخر تسهم الفكاهة العلاجية في تحسين وظائف الجهاز المناعي وتزيد من قدرة الشخص على تحمل الآلام، وخفض الاستجابة أو رد الفعل للكرب أو المشقة.

سادسًا- خاتمة واستنتاجات:

العلاج بالفكاهيةHumor therapy فن استخدام الفكاهة والدعابة والضحك في مساعدة ذوي الأمراض الجسمية أو النفسية، وتعزى أول إشارة تاريخية للعلاج بالفكاهة إلى الجراح الفرنسي هنري دي موندفيلHenri de Mondeville في القرن الرابع عشر عندما كتب “فليقم الجراح اعتبارًا أكيدًا بضبط وتنظيم حياة المريض بما يضمن تحقيق سعادته وابتهاجه في الحياة بإحاطته بأقاربه وأصدقائه ذوي الميول الإيجابية والذين يتمتعون بروح الدعابة والحس الفكاهي، وأكد على هذا المعنى مارتن لوثرMartin Lutherفي القرن السادس عشر عندما استخدم شكلاً من أشكال العلاج بالفكاهة كجزء من تهذيبه للمصابين بالاكتئاب، فضلاً عن توجيههم لإحاطة أنفسهم بأصدقاء قادرون على إسعادهم والمزاح معهم والتسرية عنهم بالدعابة وروح المرح”.

وترجع النظرية الحديثة للعلاج بالفكاهة إلى الثلاثينات من القرن العشرين Modern humor therapy عندما بدأت بعض المستشفيات في جلب المهروجين والكومديين لإسعاد الأطفال وإبهاجهم خاصة الأطفال المصابون بشلل الأطفال.

وتناول نورمان كزنيز Norman Cousins(1979) العلاج بالفكاهة في كتابه تشريح المرض Anatomy of an Illness لافتًا انتباه المجتمع الطبي إلى أهميته، وكان نورمان كزنيز نفسه طبيبًا وصف بصورة تفصيلية كيف استخدم الضحك في مساعدة نفسه على التخلص من الألم أثناء معاناته هو من التهاب المفاصل الروماتويدي في العمود الفقري.

وحظيت فوائد الضحك في علاج المرضي باهتمام عامة الناس في سنة 1998 نتيجة إذاعة فيلم باتش آدمز بطولة روبن ويليامزRobin Williams في دور الطبيب الحقيقي هانتر “باتش” آدامز.  من خلال وصف تجارب آدامز في معاملة الفقراء في ريف فيرجينيا الغربية.

سابعًا- المصادر:

(1)   Therapeutic Humor: https://www.theravive.com/therapedia/therapeutic-humor

(2)   Healthwise Staff (2020). Humor Therapy. Medical Review:AdamHusney MD – Family Medicine&Kathleen Romito MD – Family Medicine&Christine R. Maldonado PhD – Behavioral Health. University of Michigan Health System.

(3)   Gonot-Schoupinsky, F., Garip, G. & Sheffield, D.  (2020). Laughter and humour for personal development: A systematic scoping review of the evidence.

Gale Encyclopedia of Alternative Medicine (2019). Humor therapy: https://www.encyclopedia.com/medicine/encyclopedias-almanacs-transcripts-and-maps/humor-therapy

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

أريقُ نزف القلب شعرا

أشرف حشيش | فلسطبن كتبتُ وحمحمَتْ لُغتي. وحنّت قصائدُ هائمٍ يأبى الصدودا °°° ورحتُ أريقُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: