الرئيسية / ترجمات / د. عبد الهادي فنجان الساعدي في محاضرةٌ بدار المأمون

د. عبد الهادي فنجان الساعدي في محاضرةٌ بدار المأمون

عليّ جبّار عطيّة | خاص (عالم الثقافة)

الساعدي يتحدث عن:

الرحلات والآثار وعشبة خلود النص المترجَم !

– لابدَّ للمترجم من ثقافةٍ عاليةٍ وخرائط وأطالس !

قال الآثاري والمترجم والموسوعي الدكتور عبد الهادي فنجان الساعدي: إنَّ من مهمات الترجمة نقل روح النص، فيقوم المترجم بخلق النص بجسد جديد مشابه للجسد القديم، وهو ما لا يفعله المترجم الآلي .
لكنَّ الترجمة قادته إلى أدب الرحلات، التي بدورها نقلته إلى عالم الآثار في رحلةٍ شاقةٍ وشائقةٍ.
يقول في هذا الشأن: إنَّ تجربتي في الهيأة العامة للآثار علمتني بأنَّ غير المختص بالآثار يمكن أن يكون آثارياً إذا عاش تجربةً مع الآثار!
جاء ذلك خلال ندوةٍ ضيّفته فيها دار المأمون للترجمة والنشر بوزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية بعنوان (الترجمة وأدب الرحلات) ضحى الاثنين الموافق ٢٠٢٢/٢/٢١م.
قدمت المحاضرة المترجمة زينب عبد اللطيف التي بيَّنت أنَّ الساعدي مترجمٌ وكاتبٌ موسوعيٌّ وناقدٌ وشاعرٌ فضلاً عن كونه آثارياً، وله أكثر من أربعين كتاباً، وثلاث مجموعات شعرية .
استهل المحاضر محاضرته بالقول : بدأت رحلتي في الترجمة طالباً سنة ١٩٧٣ في الجامعة المستنصرية ببغداد باشتراكي في دليل باللغة الإنجليزية.
بعد التخرج اختصصنا بالترجمة، ولعبت السياسة دوراً في نقلنا من الجامعة إلى الهيأة العامة للآثار والتراث، ثمَّ إلى متحف ثورة العشرين في محافظة النجف الأشرف فتعرفت إلى مدير المتحف الباحث كامل سلمان الجبوري، وعملنا سويةً في ترجمة كتاب (مذكرات برترام توماس) فكانت البداية التي تعرفنا فيها على عالم الرحلات ، وهو عالم خاص لا يعرفه إلا من عاش تجربة الترجمة، وعرفت أنَّ الشخص غير المختص بالآثار إذا عايش تجربة الآثار فيمكن أن يكون آثارياً !
وتابع:اكتشفنا الكثير من الأمور مما يحتاجها المترجم، ومشكلات الترجمة التي تدرس في ما يسمى (فقه اللغة الانجليزية) وقد ولَّدت لدينا روح التحدي، والبحث عن الحلول، وإيجاد منهجية علمية يسير عليها .
ثمَّ أورد عدداً من مشكلات الترجمة :
       قال: كانت مس بيل[(غيرترود بيل) ‏باحثة ومستكشفة وعالمة آثار بريطانية، عملت مستشارةً للمندوب السامي البريطاني بيرسي كوكس في العراق في عشرينيات القرن العشرين] في رحلة من حلب إلى قونية في تركيا فمرت بمدينة وجدت فيها شجرة اسمها (الشجرة ذات الأغصان المروحية) وهي شجرة جوز الهند، وفي أثناء تجوالي في المكتبة وجدت أن هذه المدينة هي مدينة تدمر السورية فأدركت حاجة المترجم إلى الخرائط ليتعرف إلى المدن القديمة الحديثة.
وأضاف: حين يصيبني الصداع أستعملُ أقراص مسكّنة للألم تسمى (ريلييف)، ووجدت أنَّ مس بيل حين وصلت في رحلة لها إلى جبال كردستان كتبت عن منحوتات بارزة تدعى ريلييف تمتد من آشور إلى داخل تركيا الحالية وإلى منابع دجلة والفرات سجل فيها الفنان المعارك التي دارت في عصره على جداريات فعرفت أنَّ الآشوريين كانوا أذكى الأقوام الذين عاشوا في العراق، وكانت معظم الدول التي أُنشئت تلجأ إلى مصبات الأنهار إلا الآشوريون فهم يلجأون إلى منابع الأنهار فالدول الذكية هي مَنْ تسيطر على المنابع لا المصبات فمصير الدول يبقى بيد دول المنبع.
بضاعة المترجم !
وبشأن ثقافة المترجم قال :
إنَّ المترجم بحاجة إلى المفردة، والبحث خلف المفردة خصوصاً التي تؤشر إلى كتاب معين أو ظاهرة معينة، ويجب أن تكون هناك سعة أفق بالكلمة فكل الناس تتاجر بالبضائع إلا المترجم فهو يتاجر بالكلمة.
وضرب مثلاً آخر فقال : يتكلم الرحالة عن ضفاف الأنهار فيستعمل كلمة (بنك) لكن عند البحث والتقصي وجدنا أنَّ الكلمة تحتوي العديد من المعاني فالبنك المؤسسة المالية نجد له معنىً آخر في كتب الرحالة مثل بنك السماء (الحالوب)، وهو تعبير عن الكتل الثلجية التي تحصل نتيجة مرور رياح باردة على الغيم.
المترجم يجب أن يعرف أنَّ المضاف والمضاف إليه يعطي معنىً آخر.
وتابع: مشكلة أخرى هي تغير أسماء المدن فتنبثق الحاجة إلى الأطالس القديمة ومن أشهرها الأطالس الألمانية.

خان الثولاية أم الثويمية ؟
وتكلم عن تجربته في ترجمة كتاب (رحلة بالباخرة إلى شمالي بغداد) للكاتب الانكليزي جيمس فلكس جونس وهو ضابط استخبارات انكليزي كتب عن رحلته بشكل دقيق مؤشراً كل الأماكن التي مرَ بها من منطقة الكاظمية والطارمية حتى وصل هذا الضابط إلى منطقة في تكريت يسميها (خان الثولاية) وتبين أنه حين سأل عن اسم المنطقة أخبره أحدهم بهذا الاسم المضحك وحين عملت في مشروع موسوعة المحافظات وجدتُ أنَّ اسم هذه المنطقة هو (خان الثويمية) وليس خان الثولاية فعرفت أنَّ المترجم يجب أن يكون متمتعاً بروح الباحث وأن يكون واسع الاطلاع.
يرث ويورّث وما بينهما
وأضاف: في أثناء مناقشتي لرسالة الماجستير في (المعهد العراقي للدراسات العليا) ببغداد سألني أحد الأساتذة عن سبب استعمالي مفردة (يرث)، و(ويورّث) في النص فأجبته : أنَّ فعل (يرث) يُستعمل عند انتقال الخلافة بموت الخليفة أما فعل (يورّث) فيعني أنَّ الخليفة الأول حي، وينقل الخلافة إلى الخليفة الثاني وهذا ما حصل في توريث السلطان عبد الحميد الثاني الخلافة إلى السلطان محمد رشاد،عندها هتف الأستاذ بالثناء، وعرفتُ أنَّ المترجم يحتاج إلى خلفية ثقافية جيدة ليضع الكلمة المناسبة والصحيحة في مكانها المناسب.

أدب الرسائل الاستخباراتية
وعن موضوعة أطروحته في مرحلة الدكتوراه في (المعهد العراقي للدراسات العليا) ببغداد سنة ٢٠١٦م قال: حين كتبت أطروحتي في الدكتوراه (أدب الرسائل الاستخباراتية في كتب الرحلات) بعث رئيس القسم نسخةً منها إلى لبنان ففازت بالمركز الأول من بين مئة بحث مشارك في الجامعة اللبنانية في تقليد سنوي، ووصِفت بأنَّ فيها أصالة وإبداعاً،والمعروف في البحث العلمي أنَّ بحث الماجستير يطلق عليه perfect أي مكتمل، أما بحث الدكتوراه فيطلق عليه مصطلح creative أي فيه خلق وإبداع، وهذا ما دعا الأستاذ الدكتور أمير عسقلاني إلى الإشادة به، ومنحتني الجامعة اللبنانية شهادة دكتوراه فخرية، والأهم من ذلك أنَّ العلم العراقي يبقى مرفوعاً على سارية مجلس الجامعة سنة حتى فوز بحث آخر.
موسوعة الآثاريين العراقيين
وعن تجربته في موسوعة الآثاريين العراقيين، قال :إنَّ علماء الآثار العراقيين مظلومون، ولم يُسلط عليهم الضوء الكافي ، وهذا ما دفعني إلى إماطة اللثام عنهم، وتتبع جهودهم في هذا المضمار فألفت ثلاث موسوعات، ومن الطريف أنَّ أول اسم بموسوعة الآثاريين العراقيين لرجل ليس آثارياً، واختصاصه الهندسة، وهو محمد علي مصطفى، وقد عاش مع العالمين الآثاريين :فؤاد سفر وطه باقر وهما من عمالقة الآثار، وقد قال عنه الإنكليز : إنَّ كل بعثة رئيسها طه باقر وفؤاد سفر يكون محمد علي مصطفى هو العمود الساند لهذه البعثة.
طه باقر أعجب به الأجانب لترجمته ملحمة گلگامش التي وصفوها بأنَّها أدق ترجمة. وبشأن مكتبة الملك الآشوري آشور بانيبال آخر ملوك الإمبراطورية الآشورية الحديثة.
وقال: أُسست المكتبة في القرن السابع قبل الميلاد (تحديداً بين سنة ٦٦٨ إلى ٦٢٧ قبل الميلاد) ، تضم آلاف الألواح الطينية وبقايا نصوص كتبت نسبةٌ كبيرةٌ منها باللغة الأكدية، وقد اكتشفها الرحالة وعالم الآثار البريطاني أُوستن هنري لايارد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي في نينوى، وقدرت الرقم الطينية بنحو مئة وعشرين ألف لوح طيني، نُقل معظمها إلى المتحف البريطاني في لندن ومتحف اللوفر بباريس، أما المتبقي منها فوضعت في صناديق مختومة أودعت في خزائن المتحف العراقي، ومن المفارقات أنَّ اللصوص الذين داهموا المتحف العراقي بعد سقوط بغداد في نيسان ٢٠٠٣م فتحوا الخزائن التي كانت تحوي ألواح مكتبة آشور، ولحسن الحظ فأنَّهم ليسوا خبراء بالآثار فظنوها أحجاراً لا قيمة لها فتركوها على أرض المتحف، وانصرفوا !!

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

لماذا نقرأ الأدب؟

تأليف: ماريو بارغاس يوسا ترجمة: راضي النماصي دائمًا ما يأتيني شخص حينما أكون في معرض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: