الرئيسية / نقد / قراءة أسلوبية جمالية في قصيدة (رُبا الجَلال) للشاعر إبراهيم الأسود
ثناء
ثناء حاج صالح- مديرة تحرير جريدة عالم الثقافة

قراءة أسلوبية جمالية في قصيدة (رُبا الجَلال) للشاعر إبراهيم الأسود

ثناء حاج صالح | ألمانيا

إثنا عشر ديوانا شعريا مطبوعا (أحدها مفقود)، وثمانية دوواين مخطوطة، قرأتُ منها فقط ديوان (نشيد الوالِه في حب النبي وآلِه) والذي خُصِّصت قصائده جميعا لمديح الرسول صلى الله عليه وسلَم . وسرعان ما يكتشف البادئ بقراءة شِعر إبراهيم الأسود أنه يقف أمام قامة شعرية عالية، سواء على مستوى الصياغة اللغوية الشعرية أو على مستوى تشكيل الصور الشعرية المبتكرة جماليا أو على مستوى جودة المعاني وقوتها وأهميتها. أو حيوية العواطف وتدفقها وانسجامها مع السياقات النصية

وسوف تتقصى هذه القراءة الأسلوبيّة الجمالية في توصيفها وتحليلها بنى التراكيب اللغوية،ضمن السياق النصي في هذه القصيدة، طرائق وأسرار اختيار الشاعر لألفاظه، وكيفية تلاؤم الأساليب التي صاغ بها الأنساق اللغوية (كالأسلوب الإنشائي بأنواعه المختلفة، والأسلوب الخبري) مع المعنى أو الغرض البلاغي. وما هي التقنيات اللغوية التي يعتمد عليها في سبك جمله الشعرية، ليقدم لنا تلك الأنسجة المحبوكة القشيبة المتقنة، من الصياغات اللغوية الشعرية، والتي تضاهي مادة الأوّلين الفصحاء البلغاء من شعراء العهود السابقة

العنوان (رُبا الجَلال)

إبراهيم الأسود
الشاعر إبراهيم الأسود

كتب الشاعر إبراهيم الأسود هذه القصيدة تشؤُّقا إلى زيارة بيت الله الحرام وزيارة المدينة المنوَّرة، فالمقصود بالرُبا: مرتفعاتُ مكة المكرَمة وجبالها ، مثل جبل النور، وفيه غار حراء حيث نزل الوحي لأول مرة على الرسول صلى الله عليه وسلَم ، وجبل ثور الذي يضم غار ثور الذي أوى إليه الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – وجبل عرفة وجبل أبي قبيس….إلخ وكذلك مرتفعات المدينة المنورة ,جبالها (جبل أُحُد، جبل الراية ، جبل الرُّماة، ،…إلخ)

وقد نسب الشاعر هذه الربى إلى الجلال (ربا الجلال) إجلالا منه لما شهدته من أحداث تاريخية عظيمة ارتبطت بشخصية الرسول الأعظم – صلى الله عليه وسلم – وصحابته، منذ بدء نزول الوحي، وخلال مراحل بدايات نشر الدعوة الإسلامية، فهذه أماكن يتلهف ويتشؤَّق إليها قلب المسلم في كل مكان حنينا إلى من سكنها وإجلالا لهم.

هَلُمَّ حديثَ الحبِّ يا سَعْدُ والذِّكْرا

وَرَوِّ غليلَ القلبِ من عبقِ الذكرى

البداية القوية في مطلع القصيدة جاءت شاملة من حيث البلاغة والصياغة، وذلك لأن الشاعر استخدم تقنية (التورية) فيه. والتورية:أحد المحسنات المعنوية في علم البديع، وتتم بذكر لفظةٍ لها معنيان أحدهما قريب للذهن، ظاهر، ولا يكون هو المُراد، والثاني بعيد عن الذهن، خفيٌّ مُتَوارٍ خلف المعنى الظاهر، ويكون هو المراد والمقصود.

فقوله (حديث الحب) يُفهَم منه ظاهرا: الكلام الذي يدور حول الحب والعشق بين الرجال والنساء. بينما يتوارى المعنى البعيد المقصود والمراد وهو( الحديث الشريف) .فكيف تصرَّف الشاعر ليشير إلى المعنى البعيد المراد من التورية ؟

الجواب على هذا السؤال يكمن في جمعه بين اللفظتين (حديث) و (الذكرا)؛ إذ أن الجمع بينهما عن طريق واو العطف ليس مصادفة وليس عبثا، بل هو إشارة واضحة الدلالة إلى مسألة الاقتران بين (الحديث الشريف وكتاب الله) وذلك لأن لفظة (الذكر) هي من أسماء القرآن الكريم .

ومسألة الاقتران بينهما معروفة وردت في الحديث الشريف، بروايات مختلفة، منها حديث الثقلين، وهما كتاب الله وسنة النبي أو عترته صلى الله عليه وسلّم .

هَلُمَّ حديثَ الحبِّ يا سَعْدُ والذِّكْرا

وَرَوِّ غليلَ القلبِ من عبقِ الذكرى

هَلُمَّ: اسم فعل أمر مُتعدٍّ مبنيّ على الفتح بمعنى أحضر ، كما في قوله تعالى:(قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّه حَرَّمَ هَذَا..الآية 6/ الأنعام)أي: أحضِروا شهداءكم ليشهدوا .

وخلاصة المعنى في المطلع تتضمن دعوة الشاعر سعدا، ليقرأ عليه الحديث الشريف والقرآن الكريم، فيروي ظمأه من ذكرى أحاديث الأحباء (محمد وصحبه ).وعلى الرغم من أن الشاعر الرجل كان يريد التورية بكلمة (الحب) بمعنى العشق بين الرجال والنساء ، فقد استخدم الاسم المُذكَر (سَعدا) في الخطاب ، ولم يخاطبْ (هندا) مثلا .

لماذا ؟

لأنه يستفيد من الاسم المذكر هنا في التأكيد على المعنى البعيد من التورية . فتبادل الحديث مع رجل آخر يضعف مَظنَّة إرادة معنى العشق من كلمة (الحب)، ويقوّي الإشارة إلى المعنى المتواري البعيد من كلمة (حديث). في حين أن مخاطبة هند تؤكد وتقوّي المعنى الظاهر لحديث الحب بمعنى العشق؛ لأنها امرأة، وهو ما لا يريده الشاعر.

وهذا هو سر اختياره الذكي للاسم المذكّر سعد. ولا ننسى الإشارة إلى جمالية النغم الذي تركه الجناس التام بين اللفظتين ( الذكرا والذكرى) في البيت. ويتابع الشاعر فكرة إرواء الغليل من عبق الذكرى في البيت الثاني:

وأشرِبْ أحاسيسي الجَمالَ فإنني

تذمَّمتُ بعد البين لا أشربُ الخَمرا

الفعل (تذمَّم) يأتي بمعنى: استنكف واستحيا ، وهو مقبول في سياق البيت إذا اعتبرنا أن الشاعر قد استحيا من شرب الخمر بعد البين ، كونه بقي وحيدا، فاستنكف أن يشرب الخمر دون محبوبته. ولكن الأجمل من هذا الاستحياء أن يكون قصد الشاعر: تذممت ُ: أي اتخذت لي ذمّة وعهدا أن لا أشرب الخمر بعد البين. وكلتا الحالتين تدل على الوفاء. لكن الكفَّ عن شرب الخمر حفظا للعهد والذمَّة أقوى معنويا من الكفّ عنه حياء.

والمعنى الحاصل: أدر حديث الحب يا سعد، واروِ عطشي وشوقي لذكر الأحبة من خلال روايتك قصصهم، وإنك بذلك الحديث تطربني وتجعلني أنتشي، كما لو كنتَ تسقيني الخمر، الذي عاهدتُ نفسي أن لا أشربه، طالما أنا بعيد عنهم. (ونسأل الله أن يشربه بعد لقائه بهم في الجنان). .

وخذ وَتَراً هدبي، وحُزَّ أضالعي

فإني أحبُّ العودَ أوتارَه حُمرا

يشبه الشاعر مجلس الذكر بمجلس الغناء والطرب. فقد جعل نشوته بأحاسيس الجمال من ذكر الأحباء كشرب الخمر أولا، ثم أمر الساقي (وهو سعد) بأن يعزف على هدبه ثم يحز أضالعه بهذا الوتر الذي يدخل في تركيب آلة العود ، فإنه مع حزّ أضالعه يبتلّ بالدم ويصبح أحمر. وأن الشاعر يحب أن تكون أوتار العود حمراء لابتلالها بدم المحب المصغي إليها، وهي تعزف.

لم أجد هذا البيت في نص قصيدة الشاعر على ملفه الشخصي في الفيسبوك، ولكنني أخذتُه من نص القصيدة في ديوانه (نشيد الوالِه في حب النبي وآلِه). وأعتقد أنه أسقطه من النص في ملفه الشخصي عمدا، ولم يسهُ عنه سهواً.

على أنني أحببت أن أعيده للنص لأنه يفيد في تقوية سياق تشبيه مجلس العلم بمجلس الغناء والطرب. وهو سياق متكامل فنيا، يكمله الشاعر كما نرى في البيت الثالث إذ يأمر سعدا بالغناء بعدما أمره بالعزف :

وغَنِّ على إثْرِ الذواهبِ وابكِ لي

ورَدِّدْ على سمعي:(قفا نبك من ذكرى)

يبلغ الشجن مبلغه عندما يصبح البكاء حاجة تُطلب مع طلب الغناء (غنٍّ..وابك لي) . وقد استخدم الشاعر تقنية (التضمين) في هذا البيت إذ أخذ من بيت امرئ القيس قوله (قفا نبك من ذكرى) فزاد من جمال المعنى؛ كونه استدعى عبر هذا التضمين شعورا جمعيا يشاركه فيه كل من يقرأ البيت، هو شعور الحزن والبكاء عند الوقوف على الأطلال، في قول امرئ القيس(قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل – بسقط اللوى بين الدخول وحومل )..

ويستمر الشاعر في تحديد السياق الفني الذي ينقله إلى صميم الغزل ظاهريا، بأسلوب التورية نفسه، من خلال لفظة الذواهب (جمع ذاهبة) التي يُفهَم من معناها الظاهر تعريضا وذكرا للمحبوبة التي ذهبت؛ فهي ذاهبة واحدة. وصيغة الجمع(الذواهب) تفيد في المعنى الظاهر تعظيمَ شأن هذه الذاهبة، كما تفيد تعميم الحالة لتشمل كل من تذهب مثلها ، فهنَّ (ذواهب)..

على أن المعنى المتواري المراد من (الذواهب) التي يبكيها الشاعر، هو الأحوال والأحداث والقصص التي مضت من أخبار القوم، في عهد حياة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي يقف الشاعر على أطلالها متغنيا باكيا.

لَيُعجبني بسطُ الخيالِ على الرُّبا

وما عِلَّةُ الإعجابِ إلاّ رُباً أُخرى

جاء الخيال في هذا البيت بمعنى (التخيُّل) الذي يمارسه الشعراء، في إثر إثارة مشاعرهم عبر تنبيه شاعري ما . فإذا نظر الشاعر إلى تلك الربا التي سكنها الأحباء الذين رحلوا، فإنه يبسط عليها من خياله ما يحوُّلها إلى شكلها الذي يتخيل أنها كانت عليه يوم سكنوها .

فسبب إعجابه ببسط الخيال على الرُبا التي يراها الآن إنّما هو إعجابه بالرُّبا الأخرى التي يتخيّلها.

وكذلك فإن خيال الشاعر يشتغل مع ملاحظة أي شبه بين الشكل المرئي فعلا، والشكل المتخيل المحببة رؤيته، ولو بالخيال . كأن يرى الشاعر الطلَّ على ورق الورد فيشبهه باللمى في ثغر المحبوبة.

يروقُ لِيَ الطَلُّ الذي يُشبِهُ اللَّمى

على ورقِ الوردِ الذي يُشبِهُ الثغرا

كنتُ أودُّ لو أن الشاعر اختار لفظة أخرى غير (اللمى) لتشبيهها مع الطلّ، الذي هو المطر الخفيف والرذاذ الرقيق، والذي يستدعي أن يكون وجه الشبه بينه وبين المشبّه به متمثّلا بالسيولة الرقيقة، التي تذكرنا (بالرضاب) في الثغر. وهو ما توحي به جميع أركان التشبيه في البيت . إذ أن الطلَّ و ورق الورد يشبهان الرضاب والثغر. ووجه الشبه بين الطلّ والرضاب هو السيولة الرقيقة. ووجها الشبه بين ورق الورد والثغر هما شكل الشفاه ولونها الوردي.

في حين أن الشاعر يشبه الطلَّ بـ(اللمى) وهي السمرة الداكنة المستحسنة في باطن الشفة.ويعتمد (اللمعانَ) وجها للشبه بين الطلّ واللّمى. ولا أرى وجه الشبه هذا قويا وواضحا من وجهة نظري؛ لأن السمرة الداكنة في الشفة لا تكون لامعة بنفسها ، وإنما يأتي لمعانها من الرضاب الذي يعلوها  .

ونافثةٍ في القلب سحرَ دلالها

على أنها لا تحسنُ النفثَ والسحرا

همستُ إليها بالزيارة مَوْهِناً

إذِ الناسُ لا زيداً هناك ولا عَمرا

وقلتُ البَسي الليلَ الكتومَ فتمتمتْ

أخافُ النَّمومينِ الخلاخيلَ والعطرا

فقلتُ وأُخرى: أنكِ البدرُ طلعةً

وأن ظلامَ الليلِ لا يَستُرُ البَدرا

وسلَّمتُ بالحُسنى لدى الحُسنِ مفحَماً

وكنتُ من الغُزّى فصرتُ من الأسرى

المقدِمات الغزلية في قصائد المديح النبوي تقليد شعري ذو جذور تعود إلى ما قبل ظهور شعر المديح النبوي نفسه، فقد اعتاد الشعراء الجاهليون على ابتداء قصائدهم بغرض النسيب والتشبيب بالمحبوبة، بعد فراغهم من الوقوف على الأطلال. ولم تكن المقدّمة الغزلية في بردة كعب بن زهير (بانت سعاد ) إلا تماشيا مع هذا التقليد الشعري القديم المعروف والمتفق عليه في بناء القصيدة . وكذلك فإن مدائح المتصوفة بدءا من بردة البوصيري في القرن السابع الهجري تمسَكت بهذا التقليد الشعري، والتزمت به إلى حد بعيد. فمن ذلك قول البوصيري:

أيحسب الصبُ أنّ الحب منكتـــمٌ

ما بين منسجم منه ومضْطَّــــــرمِ

لولا الهوى لم ترق دمعاً على طـللٍ

ولا أرقْتَ لذكر البانِ والعَلــــمِ

فكيف تنكر حباً بعد ما شــهدتْ

به عليك عدول الدمع والسـقمِ

وأثبت الوجدُ خطَّيْ عبرةٍ وضـنىً

مثل البهار على خديك والعنــــمِ

نعمْ سرى طيفُ منْ أهوى فأرقـني

والحب يعترض اللذات بالألــــمِ

ولم يخرج أحمد شوقي عن نهج البوصيري في مقدمته الغزلية لـ ( نهج البردة) ومن ذلك قوله:

لمّا رنا حدّثتني النفس قائلة

يا ويح جنبك بالسهم المصيب رمي

جحدتها وكتمت السهم في كبدي

جرح الأحبّة عندي غير ذي ألم

فليس هذا الغزل الشفيف الذي يستجلي كوامن النفس، في تعلقها بالمحبوب، مما ينبغي استنكاره على الشعراء، في قصائد المديح النبوي. ولو كان مما ينبغي استنكاره عليهم، لما صمت عنه الرسول – صلى الله عليه وسلم- حينما استمع لكعب بن زهير:

بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ

مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفْدَ مَكْبولُ

وَمَا سُعَادُ غَداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا

إِلاّ أَغَنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ

هَيْفاءُ مُقْبِلَةً عَجْزاءُ مُدْبِرَةً

لا يُشْتَكى قِصَرٌ مِنها ولا طُولُ

تَجْلُو عَوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسَمَتْ

كأنَّهُ مُنْهَلٌ بالرَّاحِ مَعْلُولُ

وإنما المستنكر فيه هو الغزل الذي ينحو منحى الإباحية الحسية الفاضحة، في وصف جسم المرأة ، مما لا يليق ذكره في قصائد مديح النبي الأكرم. فالشاعر إبراهيم الأسود لم يخرج عن النمط المألوف لبناء القصيدة بمقدمته الغزلية.

ويمكننا أن نلاحظ أن الشاعر قد اعتمد في مقدّمته الغزلية بلاغيا على التورية والكناية ، اللذين أتاحا لهذا الغزل الانضواء تحت لواء الأسلوب الرمزي في الغزل الصوفي .

ونافثةٍ في القلب سحرَ دلالها

على أنها لا تحسنُ النفثَ والسحرا

يلعب الشاعر في توليفة ألفاظه على وترالمفارقة المعنوية المتأتية من إثباته السحر على محبوبته، ونفيه عنها، في الوقت نفسه. وتبرئتها من نفث السحر الحقيقي تزيد من جمال اتهامها بنفث سحر الدلال ؛ وذلك لأن هذه التبرئة تتضمن اعترافا ضمنيا بطيبتها وطهرها على الرغم من أنها تتعمد سحر القلوب بدلالها .

همستُ إليها بالزيارة مَوْهِناً

إذِ الناسُ لا زيداً هناك ولا عَمرا

(الْمَوْهِنُ) حسب معناه المعجمي ، هو نَحْوٌ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ،أو بعد ساعة من منتصف الليل . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هُوَ حِينَ يُدْبِرُ الليل.

وقد همس الشاعر لمحبوبته بتوقيت الزيارة هذا؛ كي يخلو لهما المكان والزمان؛ لعدم وجود من يمكنه مراقبتهما من الناس ( إذ الناس لا زيدا هناك ولا عمرا ) وقد حذف الشاعر الواو الفارقة من الاسم (عمرو) كونه جاء منصوبا منونا.

فيفهم القارئ أن الشاعر يطلب من محبوبته أن تخرج بعد منتصف الليل لمقابلته؛ كونه الوقت الأكثر سترا لهما . ويؤكد على هذا المعنى لإقناعها ، بأن يطلب منها ارتداء اللون الأسود الذي يتيحه الليل لها، فيكون كاتما لحضورها (وقلتُ البَسي الليلَ الكتومَ) .

وقلتُ البَسي الليلَ الكتومَ فتمتمتْ

أخافُ النَّمومينِ الخلاخيلَ والعطرا

لقد اختار الشاعر لفظة (الكتوم) دون غيرها لوصف الليل ؛ لأنها هذه الصفة تتلاءم بدلالتها المعنوية مع رد المحبوبة على كلامه. فهي تعتذر عن الحضور ولو ليلا ، لأنها تخشى من افتضاح أمرها، نتيجة صدور أصوات الخلاخيل التي تلبسها، وكذلك نتيجة تضوُّع عطرها إذا ما حضرت، فالخلاخيل والعطر سينمَّان عن حضورها. وكان في ردها هذا إبطالا وإضعافاً لاحتجاجه بوصف الليل بالكتوم .

ولا بد لنا من الانتباه إلى هذه العلاقات الدقيقة بين الألفاظ كون الشاعر يعقد عليها الأمل، في إحداث المفارقة المعنوية من الناحية الجمالية؛ لأن السياق هو سياق محاججة وإفحام بين الشاعر ومحبوبته.

فقلتُ وأُخرى: أنكِ البدرُ طلعةً

وأن ظلامَ الليلِ لا يَستُرُ البَدرا

مطروقة ومستعملة هذه الصورة الشعرية القديمة، التي تصف فشل الظلام في ستر الزائرة الحسناء التي تطرق ليلا ؛ بسبب أنوار جمالها المشعة كالبدر، والتي لا يستطيع الظلام سترها.

ولكن هل يَضعُف المستوى الجمالي للقصيدة بسبب إيراد مثل هذه الصور الشعرية المطروقة والمعروفة ؟

الجواب : العكس هو الصحيح.

فعندما يأتي الشعراء بمثل الصورة الشعرية، ولكن في مكانها الصحيح من سياق جديد، وبتوليفة جديدة للألفاظ، فإنهم يمدون خيوط تواصل خفيَّة وقويَّة مع الموروث الجمالي الجمعي المشترك . ويضيفون للنص طاقة إضافية تتأتى من ألفة المعنى المتفق عليه. ويكون لهذه الألفة المعهودة تأثيرها الدافئ الخاص، الذي يتفوَّق على تأثير الصورة المبتكرة الجديدة والمنعشة بأنه يستدعي الموافقة العفوية التي قد لا يستدعيها المعنى في الصورة المبتكرة.

وإن ما يمنح هذه الصورة المعروفة قدرتها على الإدهاش لا يتعلق في حقيقة الأمر ببنائها الجمالي والبياني ، وإنما بكونها جاءت كمفاجأة قوية ومدهشة في مكانها من السياق، فقد كنا نتوقع أن الشاعر سيحاول الرد على محبوبته بكلام يبطل اعتذارها ويضعف حجتها ، إلا أنه فاجأنا بأنه سرعان ما قام بتأييدها ودعم اعتذارها بما يفيد من قوته من الحجج، ولو على حسابه .

فقلتُ وأُخرى: أنكِ البدرُ طلعةً

وأن ظلامَ الليلِ لا يَستُرُ البَدرا

وجاء حرف الواو في قوله (فقلت: وأخرى) ليدل على حِرَفية عالية في إدارة شؤون التراكيب اللغوية، بما يخدم المعاني ويربط بينها بقوة لتظهر متماسكة قلبا وقالبا؛ لأن هذه الواو، حسب ما قبلها، تشير إلى استئناف ومتابعة كلام المحبوبة والعطف عليه. فالشاعر يتخلى عن موقعه المقابل أو المضاد لها (لمحبوبته) وينتقل ليصطف إلى جانبها؛ ليؤازرها في موقفها المعارض له شخصيا.

والسياق الناجح الذي منح الصورة الشعرية القديمة رونقها على الرغم من كونها مطروقة، هو سياق (الإفحام) الذي تُفحِم فيه المحبوبة عاشقَها وتضطره إلى التسليم بالحسنى. ليكون ذلك خيرا له من المضي في المعارضة .

وسلَّمتُ بالحُسنى لدى الحُسنِ مفحَماً

وكنتُ من الغُزّى فصرتُ من الأسرى

والتسليم بالحسنى- على غير ما يوحي ظاهر المعنى – يعني التسليم قهرا وتحت التهديد؛ وذلك لأن الدلالة المعنوية الملتصقة بهذا المصطلح الكلامي الذي يأتي في سياق الظُرف والدلال، إنما يستمدُّ من المعنى النقيض له وهو التسليم بالإرغام وتحت الضغط ، فالشاعريسلِم لدى شهادته بحسنها بالحُسنى، أي: راضيا ودون مقاومة . ولكنه في الوقت نفسه (يسلِّم مُفحَما) أي: أنه مغلوب على أمره . وهذا هو مصداق قوله (وكنت من الغزى فصرت من الأسرى) فقد كان من الغزى / الغزاة عندما بدأ الكلام ، ووجه الشبه بينه وبين الغزى أنه هو من بدأ وبادر بالكلام، والغزى هم من يبادرون بالغزو. ولكن مصيره انقلب مع اختياره التسليم بالحسنى، ورأيناه يغيِر موضعه، ليُعثَر عليه في صف المحبوبة: وكأنه أٌخِذ عنوة ، فكأنه صار من الأسرى بانتقاله إلى صفها .

وسلَّمتُ بالحُسنى لدى الحُسنِ مفحَماً

وكنتُ من الغُزّى فصرتُ من الأسرى

ثم إن الشاعر بعد أن اعتذرت حبيبته عن اللقاء أخذ يعاني من شدة الشوق ويبحث عن سبل اللقاء، حتى أنه بدأ يفكر بالذهاب إلى ديار المحبوبة والاستقرار فيها ليكون في جوارها ، ولو لم يتوفر له من وسيلة لتحقيق هذا الجوار إلا بالذهاب إليها سيرا على هامته (أي على رأسه) لا على قدميه .

وشَقَّ عليَّ الشوقُ حتى لَسَرَّني

الجِوار ولو إلاّ على هامتي سَيْرا

وقد كان الذهاب إلى الحجاز سيرا على الأقدام من نذور الفقراء، في العهود القديمة، من أبناء بلاد الشام، أو غيرها من البلدان البعيدة عن الحجاز، أو عندما تشتد الرغبة بالفقراء إلى الحج ، ولا يجدون وسيلة أخرى ، لشدة فقرهم. وإلى هذا تشير دلالة الكلام عند الشاعر في قوله (ولو إلا على هامتي سيرا) فهو يريد المبالغة في التعبير عن شدة رغبته بكونه يفوق أولئك اللذين كانوا يسيرون سيرا على الأقدام ، بأنه مستعد للذهاب سيرا على هامته / رأسه .

ولا يخفى ما في هذه المبالغة الرائعة من جمال لأنها من أحد وجهيها تعبر عن فكرة أنه لم يسبقه أحد برغبة تفوق شدة رغبته من الأولين. وتعبِر في وجهها الآخر عن معنى الانكسار والطاعة واتباع المحبوبة، مهما بلغت شدّة المشقة في تحقيق الوصول إليها .

لكن هذه الرغبة الشديدة بالتقرب/ الزلفى من حمى المحبوبة وديارها، تبدو في الواقع غير ممكنة – مهما كان استعداد الشاعر للتغلب على الصعوبات قويا – وذلك بسبب بعد المسافة بين الشام حيث يسكن الشاعر وبين القبة الخضراء التي تأتي هنا كناية عن المحبوبة نفسها، بعد أن كانت المحبوبة كناية عنها.

وأَنّى لِيَ الزُّلفى إلى ذلك الحِمى

وشَتّانَ بين الشامِ والقُبَّةِ الخَضرا

ما أن يذكر الشاعر (القبة الخضرا) في هذا البيت حتى تلوح لنا من جديد تقنية أسلوب التورية، وتنكشف لنا بها وعبرها مقاصده المبطنة في مقدمته الغزلية، والتي لم تكن المحبوبة فيها سوى(القبة الخضرا) نفسها والتي يكني بها (بقرينة السكن) عن شخصية الحبيب الممدوح صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلًّم.

ومن حيث البنية الفنية ، فإن الشاعر يتدرج من خلال البيتين الأخيرين أعلاه عبر تقنية (حسن التخلص) من غرض الغزل إلى الغرض الأساسي، وهو مديح خير الرسل. ثم يصل إلى التغني بتلك الأماكن المقدسة التي لامس قدم الرسول صلى الله عليه وسلم .

ومَن لي بهاتِيكَ المَغاني أجوبُها

لَعَلّي على أعتابها أسفَحُ العُمرا

وأُحرِزُ غُنماً مِلءَ عينَيَّ من ثَرىً

أنا مُعدِمٌ منه وغيريَ قد أثرى

هي أمنيات الشاعر في أن يتمكن من (أن يجوب تلك المغاني ) والتي يدفع مقابل تحقيقها عمره كاملا ، ويتحقق بهذا المقابل المدفوع وهو العمر إحراز الغنيمة التي تتمثل بملء العين بمنظر ذلك التراب، الذي يغبط الشاعر غيره على ثرائه من رؤيته، في حين أنه هو يعاني من الفاقة والحاجة إلى مجرد النظر إليه. ولكن كل تلك الأمنيات والتداعيات لن تكون ممكنة إلا بالتعجيل في بدء الرحلة نحو القبة الخضرا.

يبدأ الشاعر بالتحضير لرحلته فيمتطي صهوة الشوق 

بلى وامتطيتُ الشوقَ وهو نجيبةٌ

إذا دَوَّهَ الحادي بها تقطعُ الدَّهرا

ولكن الشاعر يكون على عجلة من أمره في تنفيذ هذه الرحلة فيفتقد إلى الصبر في إنجازها. ويلجأ هنا إلى الكناية ليشخصن الصبر، ويشبهه بالإنسان الذي يطمع بمرافقة الشاعر، ليكون صاحبا له في رحلته، فينهره الشاعر ويخيب أمله قائلا: (لن تستطيع معي صبرا) وهي قولة العبد الصالح لموسى عليه السلام التي يصدق فيها ظنه .

وأزمَعَ صبري صُحبتي فنهَرتُهُ

وقلتُ له: (لن تستطيعَ مَعِي صَبرا).

فإذا كان الصبر نفسه لا يستطيع مع الشاعر صبرا فمن يستطيع ؟ وما مدى هذه اللهفة للقاء الحبيب ، والتي تفوق قدرة الصبر على الصبر عليها .

ويَمَّمتُ من أُمِّ القُرى نُجعةَ القِرى

سَنا الحَجَرِ الأسنى وزمزمَ والحِجْرا

تم يتوجه إلى أم القرى مكة المكرّمة فيتوافق وصوله الذي يقفز في الزمن خلفا مع ليلة هبوط الوحي على النبي محمد في غار حراء ليأمره بالقراءة التي ينبغي لها أن تكون فخر هذه الأمة .

لدى كان جبرائيلُ وافَى محمداً

وأَقرَأَهُ بالوحي عن رَبِّهِ (إقرا)

وعَمَّدَ خيرَ الرُّسْلِ في خيرِ أُمَّةٍ

فقلَّدَها عِزّاً وتوَّجَها فَخْرا

وأذهَبَ عن عَبْسٍ وذُبيانَ حَيْفَها

وتغلبُ قد آخَتْ شقيقتَها بَكْرا

وكان من نتائج هذه الدعوة للقراءة زوال الشقاق والعداوة ودعاوي الجاهلية بين القبائل التي كانت تعيش في ذلك الوقت على الثأر والحروب ونشر بينها سلام الإسلام ومحبته وإخاءه. .

وكانت في دعوته إبطال لكل باطل ونصرة لكل حق وتأصيل جديد للتوحيد يستأصل الشرك والكفر اللذين كانا سائدين وقتها من خلال عبادة الأوثان .

وأبطَلَ في كلِّ الدُّنا كلَّ باطلٍ

وأصَّلَ للتوحيدِ واستأصَلَ الكُفرا

ولا وثَناً فيها يُقَدِّسُ مثلَهُ

ولا ثَوْرَ في أرجائِها يَعبُدُ الثَّوْرا

يمارس الشاعر السخرية في هذا البيت من خلال وصفه عبدة الأوثان بالأوثان. فالوثن يقدِس مثله . وهذه الوثنية في الأشخاص تدل على تحجر عقولهم وعدم قدرتهم على تغيير عقيدتهم الفاسدة لأنهم متحجرون ذهنيا ونفسيا. وكذلك فإن ما قلناه عن صورة الوثن الذي يقدس وثنا ينطبق على صورة (الثورالذي يعبد ثورا) من حيث الجهل ، وعندما يكون المعبود حيوانا .

وأَلْقَحَ ظَهْرُ الغيبِ في بطنِ مَكَّةٍ

أَجادِبَ إبراهيمُ أودَعَها البِذْرا

بما أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعود في نسبه إلى إسماعيل عليه السلام والذي تركه أبوه إبراهيم عليه السلام مع أمه هاجر في صحراء مجدبة، فإن شاعرنا يكشف لنا عن حقيقة وقت ظهور تلك البذرة التي زرعها إبراهيم وهي ولده إسماعيل في تلك الصحراء المجدبة . وما تلك البذرة إلا خروج النبي صلى الله عليه وسلم من ظهر الغيب ليضيء ذلك الزرع الفضاء بنور الوجدان والفكر .

وأَلْقَحَ ظَهْرُ الغيبِ في بطنِ مَكَّةٍ

أَجادِبَ إبراهيمُ أودَعَها البِذْرا

الطباق الجميل الحادث بين اللفظتين (ظهر وبطن) في هذا البيت جاء بمعنى غريب أقرؤه لأول مرة، وبنى صورة شعرية جديدة تصوِر عملية التزاوج بين الغيب بوصفه ذكرا يأتي الإلقاح من ظهره ، وبين مدينة مكة بوصفها أنثى وموضع الإلقاح في رحمها (بطنها) هي الأجادب التي أودع فيها إبراهيم بذره (وهو ولده إسماعيل عليه السلام) . فهذا الإلقاح بين الزوجين (ظهر الغيب وبطن مكة) أتاحه إبراهيم عليه السلام في إيداعه بذره في تلك الأجادب. وأرى الصورة غريبة ، والمعنى معقدا إلى حد ما، فهو لا يُفهم سريعا من القارئ غير المتأني.

وأَلْقَحَ ظَهْرُ الغيبِ في بطنِ مَكَّةٍ

أَجادِبَ إبراهيمُ أودَعَها البِذْرا

ويأتي قوله (ظهر الغيب) على سبيل التورية أيضا؛ لأنه تعبير شائع يُستخدم كمصطلح كلامي عند وصف الدعاء ، فيقال (الدعاء بظهر الغيب) ويراد منه ( في الخفاء ، ودون علم من أحد) فكما لو أن كلمة ظهر هنا تعني هنا (من خلف الظهر). بيد ان المعنى الظاهر للفظة (ظهر) في هذه التورية هو الظهر المعنى نفسه الذي جاء في الآية الكريمة (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ……….الآية 172/ الأعراف) وذلك بقرينة الفعل (ألقح)، وأيضا بقرينة لفظة (بطن) التي تطلق على رحم المرأة عند حملها . ويكون المعنى الخفي هو (ظهر الغيب) بمعنى ما حدث في الخفاء من تقدير الله وقضائه أن يضع إبراهيم عليه السلام بذرته في بطن مكة المكرمة .

فما كان إلا رَيْثَ (أخرجَ شَطْأَهُ)

فضاءَ فضاءٌ نَوَّرَ الحِسَّ والفِكرا

الريث كالتريُث ، والشطء : هو أول ما يبدو من ورق الشجر عند نباته . وإنني لا أجد ها هنا رابطا قويا بين فكرة الصدر وفكرة العجز ، وذلك لأن الضياء الحادث في العجز ليس من خصائص النبات وليس من نتائج إخراجه شطأه. وهذا الفضاء الذي يضيء فينور الحس والفكر هو من مستلزمات بزوغ الأقمار والنجوم وليس من مستلزمات نبات الأشجار. فالرابط المعنوي البياني بين الصدر والعجز ضعيف. إلا أن ما يرفع مستوى البيت قليلا هو الجناس التام بين الفعل الذي زيدت فيه الفاء الاستئنافية (فضاء) والاسم (فضاء) فهذا الجناس -وإن كان مجرد زخرفة لفظية – فإنه يرفع مستوى البيت قليلا لأنه يصرف الانتباه عن انقطاع الصلة المعنوية بين الصدر والعجز..

 وجاء بدستورِ الحياتينِ من لَدُنْ

حكيمٍ عليمٍ دَبَّرَ الخَلْقَ والأَمْرا

دستورا الحياتين هما الشريعة والعقيدة. فدستور الشريعة ينظم ويدِبِّر أمور الخلق في الحياة الدنيا وما فيها من معاملات بين المخلوقات. ودستور العقيدة يحدد شروط ومتطلبات الدخول في الحياة الآخرة (بعد الموت) .

والرسول صلى الله عليه وسلَّم جاء بهما معا . ولم يأت بهما من عند نفسه، وإنما من لدن رب العالمين، وقد اختار الشاعر من صفات الله ما يتلاءم مع طبيعة هذين الدستورين وأهميتهما. فاختار من صفاته تعالى (الحكيم العليم) للحاجة إلى الحكمة والعلم في تدبير الخلق والأمر في دستوري الشريعة والعقيدة.

ولنا أن ننظر إلى مدى وضوح الفكرة في ذهن الشاعر، ومدى دقته في التعبير عنها من خلال انتقاء الألفاظ الضرورية التي يكمل بعضها بعضها الآخر. هذا من حيث فكرة البيت .

وأما من حيث مستوى شعريته فالبيت نظم بحت اعتمد المباشرة وابتعد عن المجاز تمام الابتعاد. ولعل للشاعر عذرا في ذلك يأتي من طبيعة الفكرة في البيت، والتي تبدو أحوج ما تكون إلى الدقة في طرحها؛ لأن سر قوتها هو في دقتها العلمية، ومن شأن المجاز أن يُضعِف من دقة الفكرة العلمية.

ورسَّخَ (لا إكراهَ في الدينِ) منهجاً

قَويماً له في عالَمٍ شاءَهُ حُرّا

الإكراه في الدين يعني إجبار الناس على أن يكونوا مؤمنين. وهذا غير ممكن منطقيا؛ لأن الاعتقاد أمر ذاتي جدا، ولا يمكن الاطلاع على حقيقته الراسخة في النفس البشرية. وربما تكون المظاهر خادعة في بعض الأحيان .

ولشرح حقيقىة حرية العقيدة مقابل مقولة (انتشار الإسلام بالسيف) يمكن القول : إن رفع السيف في الفتوحات الإسلامية لم يكن بهدف إجبار الناس على الإيمان. وإنما كان بهدف إتاحة الفرصة لممارسة حق نشر الدعوة للإسلام دون عوائق. فمن وقفَ في طريق هذا الحق محاربا قوتل، لأنه منع المسلمين من حقهم في نشر دعوة الإسلام. ومن سلَم لهم بهذا الحق سلِم . فمنهج (لا إكراه في الدين) هو منهج القرآن الكريم الذي رسَّخه الرسول صلى الله عليه وسلم حقا . على أن هذا المعنى الواضح الصريح جاء بألفط مباشرة ولغة تقريرية أقرب إلى روح النثر . ولم يأتِ مشفوعا بأساليب البيان وتشبيهاته ، ويمكن أن يقال في هذا البيت ما قيل في سابقه من حيث مستوى الشعرية والنظم.

فأَودَتْ بشطرٍ (لا إلهَ) إلى لَظى

ومَنَّ بِـ (إلاّ اللهُ) فاستَنقذَتْ شَطْرا

كان من الحريّ بالشاعر عدم تأنيث الفعل (أودت)؛ لأنه لم يذكر أو يضمر فاعلا مؤنثا قبل هذا الفعل ولا بعده، كي يُفهم منه إلى من يسند الشاعر الفعل، وهذا يستشكل على القارئ.

وأغلب الظن: أن المسنَد إليه هو (شهادة أن لا إله إلا الله ) كاملة؛ لأن شطري الشهادة (لا إله) و ( إلا الله) . وبما أن معنى الشطر الأول هو الإلحاد، فقد أودت الشهادة بشطرها الأول إلى النار( قبل الإيمان) ، فيما أنقذت بشطرها الثاني من استوجب النار؛ لأنها دعت إلى توحيد الله والإيمان به.

ولكن الشاعر استخدم الفعل (مَنَّ) مسندا إلى الله تعالى . فبقي الفعل (أودت) منقطع الصلة عمَّا قبله وعمَّا بعده. وهذا أضعف سلاسة التركيب اللغوي .

وكُنّا اختيارَ اللهِ من بينِ سائرِ الـ

ـوَرى وابتُعِثْنا فيهمُ أمّةً بِكْرا

وكَفَّلَنا الإسلامَ فضلاً ومِنّةً

فعادتْ بنا الأرجاءُ طافحةً بِشْرا

وأفصحتِ الأيامُ عن حَبَلٍ نَفَتْ

جَلالتُهُ عن هذهِ الأُمَّةِ العُقْرا

ثلاثة أبيات أخرى من النظم المباشر للمعاني، كانت أفكارها ضرورية في السياق للتعبير عن أهمية ابتعاث الرسول صلى الله عليه وسلَم وتكليفه بالدعوة للإسلام فقط ، ولكنها لم تضف شيئا إلى النص من حيث جماليات الشعر وفنيّاته. فهي خالية من الإدهاش تماما. ولم تقدِّم أية مفارقة معنوية أو بيانية. والألفاظ المنتقاة فيها شائعة الاستخدام تمرّ على السمع فاترة فلا تثيره ، وتمرّ على الذهن باردة فلا تحرِك فيه لهفة ولا تثير فيه حماسا أو عاطفة.

أبوهُ أمينُ الوحيِ والغارُ أُمُّهُ

ودايتُهُ كانت خديجةٌ الكُبرى

يستعيد الشاعر سيطرته على البيان من خلال ثلاثة تشبيهات بليغة يوردها في هذا البيت:أولها قوله: (أبوه أمين الوحي).فهو يشبِّه جبريل ( أمين الوحي) بالأب، كونه هو من جاء بالوحي وكان مسؤولا عن إيصاله بكل أمانة إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وأرى التشبيه جميلا، لأن وجه الشبه بين دور (جبريل) ودور الأب هو التربية، فكما لو أنه قال : إن جبريل هو من ربّى الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك من خلال النقل عن ربه ، فالأصل أن الله تعالى هو الذي ربَاه .ويشبِّه الغار( غار حراء) بالأم .لأن الغار اكتنفه في أثناء اعتكافه فيه، وأحاط به كما تحيط الأم ولدها بعنايتها وحمايتها.

وأما قوله (فدايته كانت خديجة الكبرى) فلم أستسغه على الرغم من فكرة التشبيه المبتكرة فيه، وعلى الرغم من جماله.

لفظة (دايته) تعيدنا إلى دور خديجة الرائع في استقبال النبي مبعوثا عند بدء إرهاصات الوحي. فكأنها استقبلته مولودا عندما لجأ إليها مرتاعا فهدّأت من روعه. على أن هذه اللفظة (الدّاية) تتضمن كذلك إشارة غير مباشرة (لا يريدها الشاعر) إلى الفارق في العمر بين الداية والمولود الذي تستقبله.

وهذا تلميح لا بد لذهن القارئ أن يذهب إليه مع خديجة رضي الله عنها دون غيرها ، كونها كانت تكبر الرسول صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر عاما. وأنا لم أحبِذ هذه الإشارة لأن مقام الدّاية الإنساني يجعل صورة الزوجة الحبيبة باهتة وغير لطيفة. وهي تستطيع أن تقوم بالدور الداعم نفسه بوصفها زوجة حبيبة وشريكة حياة مخلصة.

وأنجبَتِ الأرضُ الحِيالُ كمَرْيَمَ

التي أنجبَتْ عيسى وكِلتاهُما عَذْرا

الأرضُ الحيالُ: لفظة (الحيال) جمع، ومفردها (حائل) وهي الأنثى التي لا تحمل ولا تنجب . ولكن المطابقة بين الصفة (الحيال) والموصوف (الأرض) من حيث (الإفراد والتثنية والجميع) لم تتوفر. ولعل الشاعر استخدم اسما مفردا (الأرض) وأراد به الجمع وهذا يُحدث لبسا .

ثم إن العذراء لا تُعرَفُ إن كانت حائلا أو ليست بحائل . لأنها عذراء ولم تتعرض لأسباب الإنجاب كي تتضح قدرتها على الحمل والإنجاب من عدم قدرتها.

فالشاعر يصف الأرض العذراء بعدم قدرتها على الإنجاب، ثم يثبت لها الإنجاب

وأنجبَتِ الأرضُ الحِيالُ كمَرْيَمَ

التي أنجبَتْ عيسى وكِلتاهُما عَذْرا

فهي مبالغة شعرية تتضمن كناية عن عقم المرحلة التي سبقت الإسلام من الجاهلية. فكأنما جاء مولد الرسول صلى الله عليه وسلّم في فترة ظهور الإسلام في الأرض حدثا مفاجئاً ومعجزا كمعجزة إنجاب العذراء لعيسى عليه السلام .

فمن حيث البيان، هذا تشبيه تمثيلي مبدع وجميل جدا يزاوج بين الصورتين، صورة إنجاب الأرض العذراء وإنجاب مريم العذراء. لكن من حيث الواقع فإن الرسول صلى الله عليه وسلَم هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، وقد أنجبت الأرض قبله مرات كثيرة جدا ولم تكن حائلا .

وإنَّ حديثاً مّا حديثُ أَياسَةٍ

فهل نُبذَةٍ عن طابَةٍ أُختِها الصُّغرى

لم أقف على المصدر (أياسة) في أي من معاجم اللغة العربية، وأراها لفظة غريبة. والمصدر الصحيح هو (إياس) بكسر الهمزة بمعنى اليأس والقنوط وانقطاع الرجاء. .

والشاعر يرى أن هذا الحديث الذي يدور بينه وبين صاحبه ( وهو سعد) إنما يأتي تعبيرا عن اليأس الذي يعيشه؛ لذا فهو يطلب نبذة عن (طابة) . ولا يوجد سبب نحوي لجر كلمة (نبذةٍ) المرفوعة محلا ، إلا أن يكون الشاعر قد قدَّر حرف جر محذوف وأبقى عمله (هل من نبذةٍ) .

وأما جر كلمة (أختها) فيجعلها بدلا من (طابة). فإذا كان الضمير المتصل ها في ( أختها ) يعود على مريم العذراء (كونها الأقرب في الذكر إلى الضمير) في البيت السابق، فإن طابة تكون أخت مريم العذراء، وهو ما أستبعدُه . وإذا كان يعود على الأرض، فتكون طابة هي الأخت الصغرى للأرض أو لكوكب الأرض ، بمعنى أن هذه البقعة من الأرض هي التي تختزل أهمية الأرض ومن عليها بسبب وجود الرسول وصحابته عليها في تلك الفترة . وهذا ما أرجّحه من قصد الشاعر.وإن كنت أرى التعبير اللغوي قد قصًّر إلى حد ما في إيضاح الفكرة وإجلائها في البيت الذي بدا غامض المعنى .

لقد ضاعَ قلبي عند ضَوْعَةِ حُسنِها

وإن باتَ عنها الجسمُ في ضَيْعَةٍ أُخرى

الجناس الناقص بين الألفاظ (ضاع وضوعة وضيعة) جميل. غير أن الضوعة من الضوع تناسب العطر ولا تناسب الحُسن. فلو استبدل الشاعر لفظة العطر بالحُسن لكان ذلك أنسب لمعنى الضوع .

يقول الشاعر: إن القلب قد ضاع على الرغم من أن الجسم بات بعيدا عنها في ضيعة (قرية) أخرى . وها الضمير في (عنها) تعود على ( طابة). وقد ضاع قلبه لتأثره الشديد بحبها وحسنها على الرغم من أنه يسكن بعيدا عنها في قرية أخرى .

المعنى جميل، لكنه ليس هو سر الإدهاش في البيت ، وإنما يأتي الإدهاش في المبنى والمعنى والتصويرمن ذلك الجناس الناقص المتعدد.

أدِرْ ذِكرَها يا سَعْدُ واغنَمْ مودَّتي

وأنت بما بي من وُلوعٍ بِها أَدرى

يبدو هذا البيت موظفا فنيا في موقعه من النص لأداء وظيفة الربط الفني بين الأبيات فقط ، ولا أرى النص محتاجا إلى ذكر سعد احتياجا حقيقيا وذا هدف دراماتيكي؛ لأن سعدا في النص لا يحتلُّ إلا مكانة هامشية لا تهمُّ القارئ.

ولكن الشاعر يستخدم سعدا كأسلوب فني؛ ليخبرنا بطريقة غير مباشرة عن ولوعه بطابة، فيذكّرنا بهذا الاستخدام الفني بالخليلين اللذين ما فتئ الشعراء الجاهليون يذكرونهما للتعبير غير المباشر عن المشاعر الشخصية، كما في قول كثيّر عزة

خَليلَيَّ هَذا رُبعُ عَزَّةَ فَاِعقِلا

قلوصَيكُما ثُمَّ اِبكِيا حَيثُ حَلَّتِ

وَمُسّا تُرابًا كَانَ قَد مَسَّ جِلدَها

وَبيتا وَظِلاَ حَيثُ باتَت وَظَلَّتِ

و الشاعر لا يكتفي من عمره بما يمكنه ان يصل فيه محبوبته ، ويستقل بالزمن الهارب السريع الذي يصلها فيه .

فتلك التي ما زلتُ من وصلها ضحىً

على موعدٍ والعمر طوَّح بي عصرا

مفارقة معنوية جميلة حملها هذا البيت بين حاجة الشاعر لإطالة زمن وصله مع المحبوبة وبين مسار عمره، فهو من وصالها مازال في وقت الضحى في حين أن عمره قد طوَّح به ومرَّ سريعا إلى وقت العصر ، الذي سيشرف على المغيب.

وعلى ذلك فإن الشاعر ماض في وصف مشاعره وغرامه بالمحبوبة في بيت جميل واضح المعنى في شطره الأول ، غير أنه غامض في شطره الثاني .

أنا مُغرمٌ مُغرىً بها رغمَ فاقَتي

وأنَّى يَعِي مقدارَهُ مُغرَمٌ مُغْرى

غرامُه بها وكونه وإغراؤها له على الرغم من فاقته، إنما هو بمثابة اعتراف بعجزه عن الحج إليها ووصاله لها.

ويأتي تساؤله في العجز ( وأنَّى يَعِي مقدارَهُ مُغرَمٌ مُغْرى) غريبا غامضا محيِّرا للقارئ؛ وذلك لأنه لا توجد علاقة معنوية واضحة تربط بين المغرَم المغرى وبين التشكيك بقدرته على وعي مقداره. فما هو السبب الذي أوجب الحديث عن (وعي المقدار) في هذا السياق ؟

إلا أن يكون الضمير في (مقداره) عائدا على العمر في البيت السابق ، فيكون المعنى : أن الشاعر غير قادر على وعي مقدار العمر لسرعته في المرور مقابل رغبته بوصال محبوبته والاندفاع بالحج إليها على الرغم من عدم استطاعته لفاقته.

شديدُ الظَّما يا سعدُ ذكَّرَني اللَّمى

فلما رأيتُ النحرَ أنسانيَ الفِطرا

هو صائمٌ بقرينة ( أنساني الفطرا ) وشديد الظمأ. وقد ذكَّره اللمى – ولا أعرف الكناية التي تحملها لفظة اللمى هنا- بظمئه وحاجته للشرب . ولا يكون الشرب للصائم إلا حال إفطاره . ولكنه نسيَ أن يفطر لانشغاله بذهوله عندما رأى ذلك النحر .

كلمة (النحر) تورية تدل في معناها الظاهر على موضع القلادة من أعلى صدر المحبوبة، وتدل في معناها الخفي البعيد على يوم النحر من عيد الأضحى، وهو العاشر من ذي الحجة ، والذي ينحر فيه الناس ذبائحهم .

وهذه تورية جميلة جدا وناجحة جدا ومتسقة مع المعنى الغزلي الرقيق للبيت حسب ظاهر المعنى .

ولم تعرفِ الأعرافُ غيريَ عاشقاً

أحَبَّ فتاةً ثم شَبَّبَ في أُخْرى

هما فتاتان: المدينة المنوَّرة (طابة) حيث القبة الخضرا، ومكَّة المكرَمة حيث تجري مراسم الحج ومنها النحر الذي أذهل الشاعر عن إفطاره. فعشقه للقبة الخضراء في المدينة، وتشبيبه بذات النحر مكة. والبيت رائع ومدهش مبنى ومعنى وبيانا وبلاغة .

ولكنَّ سِرّاً في القضيةِ لو بَدا

لقالَ أُلوا عَذْلي: لعلَّ لهُ عُذرا

ألوا : هي أولو، بمعنى ذوو ، والواو الأولى فيها تلفظ ضمة وليست حرف مد. وقد جاءت في رسم القرآن مع حرف الألف الفارقة (أولوا) في قوله تعالى:[فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ/ الأحقاف:35]، على أن كتابتها خارج القرآن لا تستدعي وجود هذه الألف في رأيي، لأن الألف الفارقة تتبع واو الجماعة في الأفعال وليس في الأسماء .

والشاعر يريد أن يبيِّن السرّ في قضية عشقه لـ(طابة) وتشبيبه بأخرى (مكة) . كي يجد من يلومونه على فعله هذا عذرا له فيكفّوا عن عذله.

فيا مَوْلِداً في مكةٍ وانبلاجُهُ

أضاءتْ له بالرغمِ من نأيِها بُصرى

وما ذاك السرُ إلا كون مكة هي المكان الذي ولد فيه النبي الحبيب صلى الله عليه وسلَم، ومنها كان انبلاج الأنوار التي أضاءت قصور بصرى الشام على الرغم من بعدها عن مكة المكرَمة (كما في حديث الرؤيا التي رأتها آمنة بنت وهب والدة النبي الأعظم في ليلة مولده الشريفة ). ولو لم يقل الشاعر ( بالرغم من نأيها ) لما تأثَر المعنى . فما كان أغناه عن ذلك !

سلامٌ على النورِ الذي جئتَنا بهِ

مَنارَ سلامٍ باشَرَ الكونَ بالبُشرى

على من سُعِدنا في الحياةِ بهديهِ

كما قد وُعِدْنا من شفاعتِهِ ذُخرا

على الحَسَنَيْنِ السيِّدَيْنِ كلاهما

وأمهما الشَمّاءِ فاطمةَ الزَّهْرا

على أمَّهاتِ المؤمنينَ مُنَوِّهاً

بِتِيكَ الحَصانِ العِرْضِ عائشةَ الطُّهْرا

على صَحْبِهِ الأبرارِ غيرَ مُمَيِّزٍ

بِها كوكباً إلاّ المُبَشَّرَةَ العَشْرا

الأبيات السابقة جميعا جميلة واضحة المعاني لا تحتاج شرحا ولا تأويلا كونها مباشرة اللغة بسيطة الأفكار. ولكنها تندرج تحت عنوان النظم الجميل، كونها لم تخرج عمَا هو متوقع من نثر الكلام الذي يمكن أن يقال في هذا المجال . ولا شكَّ أن الإيقاع العذب كان قادرا عن تمييزها عن النثر وعلى أن يترك في نفس السامع أو القارئ ذلك الارتياح والانسجام الذي يتركه الشعر في النفس .

وإني على أن كنتُ أصغَرَ مَنْ شَدا

بخاتَمِ رُسْلِ اللهِ يمدحُهُ شِعْرا

لأطمعُ في تشريفِ قَدري بمدحِهِ

كما شُرِّفَتْ بالخاتَمِ الإصبَعُ الصُّغرى

بيتان جميلان يختم بهما الشاعر قصيدته الطويلة بتأكيد شعوره بأنه يفخر ويتشرف بمدح خير البشر وخاتم الرسل  .

والكلمة الأخيرة في هذا النص هي : أنه كان على قدر كبير من التفاوت في مستوى شاعريته ما بين أبياته الأولى التي اكتظت باللغة المجازية وبأساليب البيان والبلاغة المختلفة ، وبين الأبيات الأخيرة منها والتي جاءت في مستوى أقل إبداعا وإدهاشا ، وإن كانت قد حافظت على مستواها العالي في جودة السبك والعذوبة الإيقاع مع فارق بسيط في حسن الصياغة للتراكيب اللغوية لاحظناه في بعض الأبيات .

وأعتقد أن طول النص هو السبب الحقيقي في تفاوت مستوى الشعرية فيه، فالرغبة في إنجاز النص وإتمامه تساهم في الإسراع بنظم أفكاره، وهو ما يدعو إلى عدم التريُث في منح الأفكار حقها من التعبير المجازي باستخدام أساليب البيان المختلفة على طول النص وفي كل أبياته.

 

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في قصة (ثوب النشل) للقاصة البحرينية فاطمة النهام

الدكتور علي خميس الفردان سنعرض في هذه المقالة تحليلا بانورامياً موجزا لقصة (ثوب النشل) للكاتبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: