قلوب لا تتعب.. قصة قصيرة

صبحة بغورة
في بعض الأماكن استرجاع للذكريات القريبة أو البعيدة، وأحاسيس تهيمن على النفس وشعور بالانتماء وجدانيا، إنها مشاعر يكنها الفرد لأماكن سكنت طفولته فكانت لها قدرة تأثيرها عليه ، هكذا وجدها بجانبه أسيرة سحر المكان الذي يزوره لأول مرة معها منذ أن تزوجا ففيه تبتسم الطبيعة لكل من يدخله ، وفيه عندما يمتزج النظر بالعاطفة يأخذ الناظر إلى عالم البوح ولكنها كانت شاردة في تلك الأمسية القمرية حيث كانا يفترشان الأرض خارج الكوخ الذي فيه ولدت وقد امتدت عيناها بعيدا نحو الآفاق وكأن ليس له وجود في مجال رؤيتها فسكن معها في ذات المساء ليل الغياب في منطقة ريفية لم تطأها قدماه من قبل كان يعلم أنها فيها نشأت وعلى ترابها ترعرعت وفي مختلف أرجائها مرحت وركضت وتركت آثار أقدامها اللطيفة على وجه الأرض الطرية في كل الجهات ، طال شرودها في سكون الفضاء الوحي فيه أكبر من مساحة الكلام حتى كاد يحس أن العادة فقط هي التي تمنحه شرعية وجوده معها ، أراد أن يضفي بعض المتعة الفكرية الراقية على جلستهما فلفت انتباهها إلى بعض القيم الجمالية المحيطة بهما ولكنه لمس منها سلبية أرهقت أعصابه وقهرت تفكيره فنأى بجانبه عنها برهة إلى أن أحس بأناملها الرقيقة تلامس كتفه في نعومة فالتفت إليها وقبل أن يحاول معرفة سر شرودها بادرته هي وكأنها أحست بقلقه أنها ليست مشغولة عنه بل مشغولة به ومن أجله منذ تزوجا ، فقط طاب لها أن تسترجع ظروف تعارفهما بالمدينة وما كان مساء ذلك اليوم الذي جاء منزلها خاطبا ، قضت حينها الليل بطوله تحلم أن يأتي المساء الذي يجمعهما في ذات المكان الذي هما فيه الآن زوجين متحابين،مع أنها كانت تخشى أن يكون ذلك مجرد حلما صعب المنال لأن الواقع آنذاك كان مريرا، بدت له كأنها تصارع الذاكرة التي تلح عليها استحضار مآسي الماضي، لقد احتلت حياة النكد وحياة الكراهية حياة السعادة منذ وفاة والدها فأصبحت الحياة بصفة عامة متعبة ، ثم لم يعد طعم لها حين تمسك عمها بكلمته التي سبقت لأحد أصدقاء السوء سيء السمعة أراد خطبتها له رغما عنها وعن والدتها المريضة ، كانت الابنة الوحيدة والمدللة في هذه الأسرة الصغيرة التي أصبحت رهينة من يريد السيطرة عليها مقابل بعض المال الضئيل لا يكاد يسد الرمق ، روت له كيف كان إصرارها على الرفض وكيف كان تحديها لجبروته، كما تذكرت أيضا كم كان الثمن حين تم الحكم على النفس والأحلام والحياة بالمؤبد في سجن التفكير والشجن، تنفست عميقا وهي تمدد رجليها أمامها ، كان لتناسقهما الجميل وقع آسر في نفسه لما استرعي انتباهه بياضهما في ظلمة المكان، أدركت ما كان منه فلاطفته مبتسمة ومسحت على رأسه بحنو ، فداعب أطراف شعرها المنسدل على كتفيها وحدثها أن ما ذكرته يلهم المتأمل في المعاناة بأن كل خروج من دائرة الخطر هو فرصة أخرى لنجدد قوانا من أجل لحظة أجمل بدل الانحباس في سجن اللحظات الماضية والمؤلمة ، دمعت عيناها فرحا وهي تبوح له أنها بعد خطبتهما وفي نفس هذا المكان كانت تنادي عصافير الفرحة لتشاركها سعادتها وتدعو طيور المحبة لتبلغه كم أحبته، ولكن عمها كان يأبى إلا أن يجعل الحب والحزن توأمين..لقد تعمد دوما التخلص من كل لحظات الأمل في حياتهما واستبدالها بالندم والتحسر.. كان حادا بلفظه، قاس بوصفه، مثيرا للجدل في كل كلمة ..كان طامعا في المنزل الذي يأويها ووالدتها .. قاطعها ليهون عليها أن الزمن يطهر الجراح ويلملم أشلاء القلب لترسى النفس على بر الراحة والهناء مع من تحب ،انه يريد مخلصا أن يكون زواجهما أنشودة للفرح والحب والحياة، وأن لا يعكر صفو حياتهما ماضي لا قوة لهما في تغييره ، نهض واستقام وبدا خلفه البدر مكتملا ، مد يده يدعوها للنهوض ثم ضمها برفق إليه هامسا من يفتح قلبه تتغير نظرته إلى العالم فكل إنسان يحمل عالمه في قلبه .
أرسلت شمس صباح اليوم التالي أشعتها الدافئة التي تسللت إلى الغرفة ، أفاقت على وقع حشرجة أوراق ورأته يقلب فيها في اضطراب ، سألته عن ما يبحث، انتفض وأخفى الأوراق بسرعة، لم تهتم كثيرا للأمر بالرغم من أن شحنة نفسية مائعة انتابتها ، في منتصف النهار لمحته من وراء زجاج النافذة منزوي في مكان خفي بين الأشجار ثم ظهرت لها امرأة مسنة تحدثه ،كانت تبدو لها أنها في عجلة من أمرها، لقد عرفتها إنها الخالة حليمة العوراء ، لم تشأ أن تخرج إليهما لتستفسر منه عن الأمر فقط حدثت أمها التي أخبرتها أنها امرأة سيئة وكثيرا ما دفعها عمها لتحاول أن تخرب بيتها، بهتت وأحست بتمزق خيوط الأحلام الجميلة التي لطالما نسجتها بقلب مفعم بالأمل لتجدها فجأة تتبخر، أسرعت قبله إلى غرفتها واكتشفت أن ما أخفاه عنها في الصباح هي الوثائق التي تثبت ملكيتها للمنزل، وفور وصوله أظهرتها له ، وقف متلبدا بخيمة من الخيبة يتمتم وكأنه يكلم نفسه من خلالها، بحث عن طريقة التكفير عن خطئه عن طريق البوح ولكنه تأكد أنه يواجه فشل مشروع مؤامرة في منزل يحصن نفسه بأدعية ساكنيه ، نظرت إليه نظرة حادة لم يصمد أمامها ثم صاحت في وجهه صيحة قوة لنصرة الحق فانهار أمام امتحان الزمن، لم يغير شعورها نحوه اعترافه بأنه متواطئ مع عمها لنزع ملكيتها للمنزل في مقابل حصوله على مبلغ مالي كبير، لم يتبدل إحساسها تجاهه بعدما أبدى ندما شديدا وأسفا عميقا، لم تتأثر لمحاولاته تجديد الذكريات ولا لبراعته في رسم اللوحات الخالدة بل رأتها مجرد أطياف باهتة لم يعد لها ملامح في نظرها ولا معنى في نفسها ولن يكون لها وجود في قلبها .
مرت عليها الأيام متشابهة بعد عودتها نهائيا إلى منزل والدتها، عادت إلى نمط الحياة الريفي حيث نشأت واعتادت ،وانشغلت أكثر برعاية أمها والاعتناء بشؤونها بعد أن اشتد عليها المرض وألزمها الفراش، أثقلت أعباء الحياة كاهلها بعدما انقطع عنهما أي مصدر للدخل،اضطرت للعمل صابرة في المزارع المجاورة، كان الطريق إليها طويلا ووعرا والعودة منها مساءا شاقة .. وأكثر خطورة، لقد أصبح فهمها للحياة محصورا في مقياس ما تعنيه من ضرورات العيش، وكم كانت سعادتها في تلك الأمسية التي حصلت فيها على بعض المال لأنها عادت حاملة الدواء لأمها ، دخلت عليها متهللة فوجدتها قد نامت نومتها الأبدية على نفس سريرها القديم الوحيد الباقي من أثاثها الذي تمسكت به لأنه الشاهد على أحلى لحظات حياتها وأسعدها، لقد رحلت عنها بهدوء، مالت عليها وقبلت جبهتها قبلة طويلة أشعرتها أن روحها الهائمة تحلق على المنزل بقوة غيابها وتلهمها الإصرار على صنع حياة هي سيدتها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى