الرئيسية / رواية / السارد في رواية حدائق شائكة للفلسطيني صبحي فحماوي

السارد في رواية حدائق شائكة للفلسطيني صبحي فحماوي

رائد محمد الحواري | فلسطين

الرواية بغالبيتها جاءت على لسان بطل “جبريل عرسال” فبدت قريبة من السيرة الذاتية، لكن المكان والشخصيات جاءت بصورة غير واقعية، وهذا لم يحل دون وصول القارئ إلى فكرة أن المكان المقصود مدينة “عمان” تحديدا من خلال استخدامه اشارات مثل “المدينة التي انشئت على عجل” ص12، ومن خلال استخدامه “الجبل التاسع” ومثل هذه التسميات نجدها قريبة من (الدوار التاسع/السابع/الخامس …) في عمان.
بدايات السارد الاقتصادية كانت متواضعة، لكن الهم الاجتماعي/الأسري كان دافعا له ليتقدم نحو تحسين ظروفه وظروف اسرته: ” …إذ أنني لا أطلب هنا أو هناك سوى توفير العمل في ميداني، ولا أشتهي النقود، …ولكن لتحقيق مستوى معيشي يحفظ كرامة أهلي القاعدين في انتظار العودة إلى فلسطين” ص21، بهذا الشكل لعطانا السارد صورة عن وضعه كلاجئ فلسطيني يأمل بالعودة إلى وطنه، وأيضا يحمل هموم اسرته الاقتصادية، وهذا يشير نبله وانتمائيه وتفانيه في خدمته أهله، بمعنى أنه شخص لا يهتم بأموره الشخصية، يقدر اهتمامه بهموم ومتطلبات عائلته.
عندما تأتي سيرة البطل متواضعة، ثم تبدأ بالصعود والتألق، فإن هذا يثير اعجاب المتلقي الذي سيتابع بشوق مجرى الأحداث وتطور شخصية البطل، وبهذا يكون السارد قد استخدم اسلوب جاذب للقارئ، ويحمل فكرة مواجهة الصعاب والمعيقات للوصول إلى الهدف، فسلاسة السرد تتوازى مع فكرة المواجهة والتحدي، وهذا ما يجعل الرواية تجمع بين جمالية السرد وقيمة المضمون/المحتوى.
يعرفنا السارد على طبيعة تفكيره وتعاطيه مع الآخرين بقوله: “…لم أوجل عمل اليوم إلى الغد.. أسرعت بزيارة السيد نظيم يوسف.. وأنا حسب قناعتي، لا استعمل كلمة السيد .. مؤمنا بأنه ما دام هناك سيد، فذلك لأنه متميز عن (غير السيد.. وهو العبد) وما دام يفترض أن عصر العبيد قد انتهى، فالجميع إذن أسياد، ولا داعي للقول “السيد فلان .. والسيدة فلانة” ص37، فكرة اجتماعية مهمة لمجتمع لا يخاطب أصحاب المراكز إلا ب(سيادتكم، مولانا، خادمكم، عطوفتكم) فهنا يتماثل تفكير السارد مع قول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد، فهو يطرح فكرة تعد (ثورة) في مخاطبة الآخرين، وأيضا يعتمد على المنطق والعقل، فهو يبسط الفكرة حتى يستوعبها المواطن العادي، وكأنه معنى بهذه الشريحة من المجتمع دون سواها، وهذا ما ستجده في متن الرواية عندما يبين فساد (الطبقة الراقية اقتصاديا).
دائما لأي شخص ناجح مثل يقتضي به، ومثل “جبريل عرسال” هو “جاك روك” الذي قال عن نفسه: “لقد بدأت عملي ببيع الزهور على دراجة هوائية، مشبوك بمؤخرتها سلة، كنت أحزم فيها زهور القطب، فأبيعها للمطاعم والفنادق” ص42، وكأن السارد من خلال هذا النموذج يؤكد على أن العزيمة والإرادة توصل صاحبها للهدف، وهو بهذا يكون قد اعطى القارئ نموذجين، “جاك روك” والسارد نفسه “جبريل عرسال”.
قلنا أن النساء يحمن حول البطل ويسعين لأخذ حاجتهن الجسدية منه، لكنه يتصرف ضمن معاير أخلاقية تحول دون وقوعه في الرذيلة: ” كانوا يضغطون على جسدي من الأمام ومن الخلف، وبغضهم يضغط علي من أسفل إلى أعلى.. فوجدت نفسي أرتفع وارتفع وأرتفع بين أصابع أيدي وأذرع شبان تضغط علي بقوة.
… لم أكن أتوقع أن اسمع من امرأة مثل هذه الحكايات، أو القصص التي يبدو أنها مقصودة لتلهب خيالي” ص49، أصرار السارد على تقديم كلام المرأة أراد به أن يشير إلى حجم الضغط الواقع عليه منها، ومع وجود الكثير من المغريات، المكان الخالي، الإثارة الكلامية والجسدية، الشباب وحيويته، ومع هذا قرر “جبريل عرسال” ترك المرأة دون أن تأخذ منه أي شيء.
وبهذا يكون السارد قد قام بدور البطل الأخلاقي، الذي يحافظ على نساء الآخرين، كما يحافظ على نساءه، حتى لو كن هن من أبدين الرغبة والحاجة.
وعندما يذهب إلى الصين، يعدوه زميله إلى الدخول إلى المبغى، يرد عليه: “أعتذر فأنا لا أذهب إلى المواخير.. ثم على الأقل، إلا تخاف الأمراض الفيروسية التي لا يشفى منها أحد” ص79، نلاحظ أن السارد يمزج بين قيامه بدور البطل والفكر، فهو لا يقدم مشهد (البطولة) بصورة مجردة، بل يقرنه بأفكار ليقنع المتلقي بالفكرة التي يحملها، وبهذا نصل الفكرة إلى القارئ بطريقة موثقة، عملية، فترسخ أكثر فيه.
برفض السارد ممارسة البغاء يشعرنا بأنه رجل ملتزم بأفكار معينة، دينية أخلاقية، يؤكد على أنه رجل ملتزم بأفكار خاصه به من خلال رفضه تناول الخمر: “أنا لا أشرب”
هذا النبيذ يصلني خصيصا من فرنسا، ونوعه غير موجود في السوق.. أجلس واشرب” قلت حتى لو كنت أشرب، فلن أعود إلى مكتبي وأنا شارب” ص83، نلاحظ تأكيد السارد على اقران الموقف بفكرة منطقية، وهذا ما يجعل موقفه منطقي بالنسبة للمتلقين الذي سيقتنع بالفكرة وبصواب موقف السارد من عدم شرب النبيذ.
كرامة وذكاء السارد تجعله يرد على (المقامات العليا) بطريقة ذكرية، فعندما تخاطبه “بنت الياسري” بطريقة غير لبقة: “..الفرق أنك إذا كنت مهندسا، فسوف أقول لك: تفضل، أدخل البيت، وأما إذا كنت بستانيا، فالحديقة أمامك، أذهب إلى عملك”
حسنا أننا المهندس، والحديقة أمامي، نزلت درجتين عن مدخل الفلة، فوجدت المرأة الفائزة بنزولي، فقالت مستغربة رفضي لدعوتها “قلت لك تفضل” ..أدخل البيت” رفضت مرة أخرى قائلا:
“لقد قلت: إن الحديقة أمامي… عندما يحضر والدك الفاضل سأخل” ص141، السارد يعلم (المقامات العليا) درسا في كيفية التعامل مع الآخرين، فبرفضه الدخول للمنزل يقول لهذه الجاهلة: أن الناس، كل الناس يجب أن يعاملوا بطريقة إنسانية.

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

الميتافكشن في رواية علي خيون (كأنها لي)

أ.د مصطفى لطيف عارف| ناقد وقاص عراقي (الميتافكشن) هي طريقة حداثوية جديدة إذ أن الروائي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: