الرئيسية / فكر / نهاية التاريخ والتشكيل الانغلاقي العربي

نهاية التاريخ والتشكيل الانغلاقي العربي

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

لم تكن فكرة (نهاية التاريخ) معروفة قبل أن سرّبها الفيلسوف جورج فيلهلم فريدريش هيغل على نطاقٍ واسع في متن أبحاثه ودراساته، تلك الفكرة شغلت كبار المفكرين والمثقفين والمختصين في العالم بين الإبداء والإعادة، كعادة الأفكار والمفاهيم المؤثرة. كما شغلت العقول حول الإلغاء والدحض والمفاهيم الجديدة المتتالية التي تخلخل الجمود والركود، وتشعل الحوار الساخن، وتغني المجال الفلسفي بعدّة نقدية جديدة ورؤية ثاقبة.لم تبقى الفكرة حبيسة مراكز الدراسات والأبحاث والمفكرين والباحثين ،بل تعدتها إلى الصحافة التي تناولت هذه الفكرة (نهاية التاريخ) والتي جاءت بمجملها بعيدةً عن المعنى المفهومي الدقيق لها، وأحسب أن عملية تناول هذه الفكرة تحتاج معرفة عميقة في جذور الأرض التي تحمل فوقها وتحتها حضارةً فكرية وثقافية وعلمية وحضارة إنسانية غنية، لأنَّ التساؤلات بدأت تتلاحق حول تلك الفكرة وكيف نبتت وعلى أيّ أرضٍ ترعرعت وانتعشت.

لذا بذلنا جهداً مضنياً عبر نقد الشرور محاولين تجاوز القراءات العاجلة والناجزة لمفهوم (النهاية) المتصل بالتاريخ بعمقه وشموليته، خاصةً وأنَّ تلك النهاية تكوَّنت على فتراتٍ متقطعة منذ أكثر من مائة عام، والتي كان آخر من بلورها كنظرية مستقلة الفيلسوف والاقتصادي والسياسي الياباني الأصل الأمريكي الجنسية فرانسيس فوكوياما،من خلال كتابه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) الصادر في صيف عام 1989م الذي يتضمن أطروحته الأساسية أنَّ الديمقراطية الليبرالية بقيمها عن الحرية، والمساواة، والفردية، والسيادة الشعبية. ومبادئ الليبرالية الاقتصادية، تشكّل مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغة نهائية للحكومة البشرية .
لقد تم تناول تلك الكتابات على تنوعها وغناها بشكلٍ سطحي وعبر بعض صفحات الصحافة. وجلّ ما وصل إلينا نحن العرب من تلك الكتابات لم تدخل إلى تخوم المعنى الذي سعى إليه فرانسيس فوكوياما وأراده من ذلك الإعلان.وهنا نتساءل عن معنى فكرة (نهاية التاريخ) وأي تاريخ ذلك الذي يواجه نهايته. فإذا كان القصد من فكرة نهاية التاريخ بانتهاء الحس العام بالماضي، فإنَّ التاريخ بما يمتاز من قوة صيرورة وسيرورة طويلة موغلة في القِدَم هو قائم على حس الانتهاء الكلي بما فيه مكرّس ومعزّز للانقضاء. فليس التاريخ بسيرورته سوى مسرح مفتوح لزوال ذلك التاريخ الذي يضم كل ما مرّ به الإنسان من أحداث لكنه عالم الأحداث الزائلة بامتياز ودون أدنى شك، فما ينتهي ويزول هو التاريخي. ونحن في أثناء استغراقنا في تفسير التاريخمنذ صيرورته الأولى وعبر سيرورته التاريخية يلفت إلى فعل الانتهاء أو الموت الكلّي. لأنه في حقيقة الأمر هناك فعل الانتهاء، وأنَّ ما جرى وما يجري هو تجديد فاعل الانتهاء عبر كل تسجيل أو تدوين أو توثيق ، والتأريخ بذلك المعنى هو اصطلاح آخر يسير في اتجاه تغيير النهاية.لأنَّ النهاية لا يمكن أن نفهمها كالخاتمة والحدث النهائي والأخير بل هي انغلاق لكامل التشكيل للتاريخ وهنا يتم الانقطاع بشكلٍ واضح بين مفهوم النهاية الخطابي إلى مفهوم النهاية الزماني .
لذا وجدنا أنفسنا ماضون في بلورة الفرق الكبير بين النهاية كخاتمة وبين النهاية بوصفها أحد النهايات الملاصقة والمتصلة بانغلاق التشكيل لأنَّ المشروع الغربي الأوروبي ـ الأمريكي المنشغل بفكر النهائية منذ حوالي أكثرمن مائة عام لايزال مصراً على البحث والتفكير في النهاية كخاتمة للتاريخ بشكلٍ مطلق. أما بالنسبة إلى الخاتمة التي هي عبارة حيادية جرداء إلى حد والنهاية مشبعة إشباعاً كثيفاً بميتافيزيقا خارج إطار الواقع والحقيقة ما يتجاوز اللسانيات، إنها تعيدنا إلى مملكة الصمت والسكون. عبارة النهاية في هذا السياق تتمتع برنين وشغف اللامتناهي نفسه وهي في خطاب التشكيل الغربي الأوروبي ـ الأمريكي ، تريد أن تجيء متسارعة لا متناهية بما يعادل الذاتية اللامتناهية التي شرعت لنفسها الكثير، وهي نفسها في تلفظ نفحة النهاية. هناك إذاً خطاب لامتناهٍ يتابع ويتصيد هو كذلك فكر النهاية والسكون النهائي .كل ذلك يؤكد أنّ الخطاب اللا متناهي حول نهائية التاريخ بجدلية الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل. غير متناسين أنَّ الليبرالية ما تزال تعيد احتضان الجدلية الهيغلية المستندةً إلى مايمكن أن نعتبر انتصارها النهائي على تجارب الأيديولوجيات من شيوعية وفاشية من حيث إنهما محاولتان فاشلتان بامتياز للخروج على مثال الدولة الشمولية المتجانسة .
من جهتها ترى الليبرالية أنها هي كنظام اجتماعي وكفلسفة هي نهاية التاريخ وخاتمته السعيدة، ولكن ليس بالمستغرب أن الرأسمالية في الولايات المتحدة الأمريكية لاتجد ثمة أيديولوجيا تتوج ظفرها ونجاحها الساحق على القطب الشيوعي الصاعد ،إلا بإعادة الاعتبار إلى جدلية الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل فنجد تعبئة فكروية جديدة يقودها مفكرون موزعون بين دوائر الدولة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية ومراكز الأبحاث والدراسات تتوسل بموضوعية إلى نهاية التاريخ حسب المثال الهيغلي. فالمثل المتجسدّ في الواقع هو تلك الدراسات المعقّدة البادئة بدراسة المنظّر الأبرز يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما والذي يفرض في صياغته لنهاية التاريخ ونهاية الإنسان الخاتمة بالحرف الكبير الواضح وليس مجرد أية خاتمة.
في سياقٍ كهذا نرى أنَّ سيطرة هاجس فكرة (النهاية) منذ الفيلسوف الألماني فريدريش فيلهيلم نيتشه إلى أحوال العدمية الأسيانية المتفجعة إلى فزع الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر من التقنية ونعتها لها بميتافيزيقيا العصر إلى العودة نحو إعادة عقلنة التاريخ في إطار الدورات الموسمية مع المؤرخ والفيلسوف الألماني وسفالد أرنولد غوتفريد شبينغلر فيصف الرحلة في جو النهايات بـالمتشعبة بشكلٍ عشوائي ويتلبسها الغموض وعدم الوضوح غالباً . وتتراوح نفسياً بين النذير والبشير وإلى الأول أكثر من الثاني، غير أن المنعطف المفصلي تحقق بعد اكتشاف الحداثة البعدية وفي هذا المنعطف الهام أيضاً لم يحصل الخلاص الكامل من تيه النذير ولم يسقط الفكر الكارثي بشكلٍ نهائي.
هنا يمكننا العودة إلى فكرة النهاية شبه الكاملة والتي بدأت بفكرة التدمير الشامل، فقد أنبأنا التاريخ والديانات أن طوفاناً عمل على إغراق لكل الكائنات الحية التي لم تصعد إلى السفينة. وأنَّ الخيار النووي هو الخيار الحتمي كحل وحيد للاستقطاب والذي يغدو متسارعاً في ملعب الحداثة البعدية إحدى الكرات النارية الجهنمية والملعونة، ولكنّه بذلك يفقد مصيره الحتمي المحسوب وقد برهنت معظم التحولات السياسية البنيوية العميقة الأخيرة على إمكانية تقويض وتجميد حالة الاستقطاب من داخل جدليته العمياء ذاتها دون حتمية الكارثة الجهنمية الكونية الشاملة. وهكذا نجد أنَّ الحداثة البعدية تغادر متراجعةً هامشية التاريخ لأول مرة.وأنَّ فكر البشير والنذيرالتي نادى بها الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر في آخر أعماله لم يكن مبالغاً في توحيده بين تطور التقنية والمصير الكارثي الآتي من خلال رؤية الخراب النهائي والدمار المطلق النووي. لكن الخطوة الأساسية والنوعية التي تقدمت بها الحداثة البعدية عن فكر النذير ذاك، هو أنها جعلت نهاية العواصف والنيران النووية واحدة من ممكنات كثيرة لشكل النهاية. أي نهاية التاريخ بل نهاية العالم .لقد شبّت الحداثة وترعرعت في جوّ الحتمية الكارثية شبه المطلقة، لكنها انزاحت عنها مسافات بعيدة جداً وهي لم تتخل عن أيقونة (النهاية) شرط أن تكون نهايةً مطلقة لذلك التاريخ. والمقصود به هنا ذلك التشكيل الانغلاقي الذي ذكرناه.
في النهاية أعترف بأن الهدف من هذا الموضوع هو اكتشاف موقعنا العربي من تناهي المفكرين والمنظّرين الذاتي للوصول إلى سيناريوهات (النهاية) وفكرة النهاية ذاتها.

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

تأثير السلطة المعرفية على الفرد والمجتمع

إبراهيم أبو عواد | كاتب من الأردن 1 التحليلُ المنطقي للظواهر الثقافية مُرتبط بطبيعةِ السُّلوك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: