الرئيسية / فكر / إسرائيل وزوالها الثالث

إسرائيل وزوالها الثالث

د. خضر محجز | فلسطين

﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (الإسراء/105).
يتكلمون كثيراً هذه الأيام عن زوال إسرائيل، ولا أقصد هنا ما يقوله سادة السحر الأسود والمتدينون الجدد، بل أقصد ما يقوله ساسةٌ إسرائيليون من أرفع المستويات، منهم نتنياهو بينيت وغيرهما.
وما أود قوله هنا هو أن احتمالات زوال إسرائيل ـ بقوة الدفع الذاتي الذي يشبه الانتحار الأعمى ـ كثيرة وتبدو حتمية:
فالمواطن الإسرائيلي يتزايد حمقه كلما سمع بتزايد قوته، ولا يستمع لكلام الحكماء، القاضي بأن هذا الشعور هو الذي أزال الدولة اليهودية في المرتين السابقتين، قبل أن تدهمها جيوش الغزو العراقية والرومانية.
ففي المرتين صدق اليهود أنهم دولة حقاً، تستطيع أن تعتمد على نفسها، من دون حبل الناس، وقد استغنت قبل ذلك عن حبل الله. فكان أن استمع الشعب لأحلام التفضيل الإلهي الذي توقف عن الحضور، وقرر أن تكون له دولة حقيقة كدولة سليمان، بعيداً عن سيادة بابل أو روما، فانقطع به حبل الناس، وهوت الدولة اللقيطة في براثن التدهور والتفكك ثم الدمار والتشريد.
ولكي تزول إسرائيل الحالية، فلا بد من إعادة إنتاج ما كان في المرتين. واليهود بطبيعتهم لا يتعلمون من التاريخ، لغرورهم القائل بأنهم يصنعون التاريخ.
ولا يتكرر فعل السنن الإلهي ـ الذي يقال له حكم التاريخ ـ إلا بزوال الحبلين اللذين حفظاهما من الذلّة المكتوبة عليهم، في قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (آل عمران/112).
وحبل الله رضاه عنهم. وحبل الناس رضا الدول الكبرى عنهم.
وقد زال عنهم رضا الله منذ زمن بعيد، وتحديداً منذ كفروا بما أنزل في التوراة من ضرورة الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وأما حبل الناس فقد مُنح لهم في دولة الإسلام، فعاشوا دون ذلة في الدولة. فلما زال حكم المسلمين استبدل اليهودُ الغرب به، فصاروا كياناً وظيفياً يحقق أهداف الغرب، في منع قيام نهضة المسلمين.
فالآن يبدو أن إسرائيل تتفكك ذاتياً، وتتملص من حماية الكبار، معتمدة على غضب الله، الذي سوّل لها أنها قادرة على الحياة دون أمريكا والغرب.
لا أعلم متى ستغضب منها أمريكا، ولكنها ستغضب. فإن لم تغضب، فسوف يأتي يوم تنشغل فيه أمريكا بنفسها، عن حماية الدولة اللقيطة، فتدعها لمصيرها، كما انشغلت أوروبا عن مملكة بيت المقدس الصليبية التي أقامتها فاستقلت عنها، فتركتها أوروبا نهبة لجيوش صلاح الدين رحمه الله.
ولا يدرك إسرائيلَ مصيرُها بتفسير حسابات الجمّل، ولا بتهديد إيران الكاذب، ولا بقوة الفلسطينيين وحدهم، بل بقوة الإسلام الذي ينتظر اللحظة المناسبة.
والإسلام الآن له قلعة واحدة، قادرة على مناجزة الدولة اللقيطة، حين تزول عنها حبال الناس، هي مصر.
يتكلم المتدينون الجدد عن مصر، كما لو كانوا يرونها أشد عداء لفلسطين من إسرائيل. ورغم أن هذه مجرد دعاية سوداء، من جماعة باعت مستقبلها لأمريكا والغرب؛ إلا أن الحقيقة تقول: إن دولة ترى في إسرائيل عدوها المركزي الرابض على حدودها الشرقية، لن تتوقف عن انتهاز الفرصة في الانقضاض علها حين ترى اللحظة مناسبة.
والنتيجة أن زوال إسرائيل ربما كان يقترب، ولكن ليس في الشهور القادمة ولا السنوات القادمة، وربما كان في العقود القادمة، حيث نرى صورة للإقليم ليست هي الصورة الحالية.
وختاماً أقول، بأن المُخَطِّطَ الاستراتيجي الصهيوني، يشعر بذلك في أعماقه، كما اليهود المتدينون، الذين يقرأون ذلك في كتبهم السرية، ويتناقلونه بينهم من رواياتهم الشفاهية المحفوظة.
أدركت ذلك يقيناً في آخر مقابلة لي مع كبير ضباط الصهاينة، الذي يجري المقابلات من كبار السياسيين في بعض اللحظات التاريخية:
قلت له بعد حوار طويل محتدم:
ـ نعم هزمتم العرب، ولكنكم لن تستطيعوا المحافظة على هذا الإنجاز طويلاً.
فقال:
ــ ولم؟
قلت:
ــ لأنكم شعب مُرَفَّهٌ متعمٌ مؤمن بفضيلته على المحيط. ومطلوب من هؤلاء المرفهين المتوكلين على إلهٍ نبذهم، أن يناموا من شدة التعب: تعب العيون اليقظة طوال أربع وعشرين ساعة في كل يوم؛ وتعب المكث الدائم في الدبابة؛ وتعب الشعور بالرغبة في الخلود إلى ما قيل إنه أرض العسل واللين. وسيرى من طول انتظاره في الدبابة أن هذه أرض الحديد، فييأس وتغفو عينه وينام. وهنا نهجم، نحن المنتظرين الصامتين المقهورين.
وسوف يبلغ من تمسككم بالحياة، أن تفضلوا الأسر على الضغط على الزر النووي.
هنا قام وصرخ الضابط وقال:
ــ ليس لك حل إلا الإبعاد.
وحدث ذلك. وقد كانت النية متوفرة له لأسباب اخرى، فجاء هذا الغضب فأعلنه، فكان.
فالآن أقول:
ستزول إسرائيل مرة ثالثة، ثم تقوم في زمن آخر، وتزول مرة رابعة.. وهكذا دواليك، بعدد لا أعلم كم هو، ولكنه مقول قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ (الإسراء/8)، وقول رسوله بنزول عيسى بن مريم وقتل المسيح الدجال ـ مسيح اليهود الأعور ـ “بباب لُدّ”.

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

 أبيقور بين التفلسف والسعادة

د. زهير الخويلدي | تونس “الحكمة الحقيقية، التفوق الحقيقي لا يتم كسبه بالنزاع بل بالسماح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: